والسمع والبصر هما السيدان لملكات الإدراك ؛ لأن إدراك المعلومات « 1 » له وسائل متعددة ، إن أردت أن تدرك رائحة ؛ فبأنفك ، وإن أردت أن تدرك نعومة ؛ فبلمسك وببشرتك ، وإن أردت أن تدرك مذاق شئ فبلسانك ، وإن أردت أن تتكلم فبأجهزة الكلام وعمدتها اللسان ، وإن أردت أن تسمع فبأذنك .
وكذلك تتجلّى لك المرائي « 2 » بعينيك ، ثم تأتى إدراكات متعددة من الحواس ؛ لتكوّن أشياء نسميها الخميرة ، توجد منها القضية العقلية الأخيرة ، فالطفل أمام النار يجد منظرها جميلا جذابا ، لكن ما إن يلمسها حتى تلسعه ؛ فلا يقرب منها أبدا من بعد ذلك ؛ لأنه اختبرها بحواسه فارتكزت لديه القضية العقلية وهي أن هذه نار محرقة ، واستقر هذا لديه يقينا .
وهكذا تكون الإدراكات الحسية إدراكات متعددة تصنع خميرة في النفس تتكون منها الإدراكات المعنوية .
إذن : فوسائل العلم للكائن الحي هي الحواس ، وهذه الحواس تعطى العقل معطيات تنغرز فيه لتستقر من بعد ذلك في الوجدان ؛ فتصبح عقائد .
إذن : فمراحل الإدراك هي : إدراك حسىّ ، وتفكّر عقلىّ ، فانتهاء عقدىّ ؛ ولذلك نسمّى الدين عقيدة .
أي : أنك عقدت الشئ في يقينك بصورة لا تحلّه بعدها من جديد لتحلّله ، فهذا يسمى عقيدة .
هامش
( 1 ) الإدراك يعطى الوجدان ، والوجدان يعطى الاختيار ، والاختيار يعطى الفكر والتأمل ، وعن طريق الفكر المتأمل يكون توحيد اللّه .
( 2 ) رأى يرى فهو راء ، وما يقع عليه البصر فهو مرئىّ ، والجمع : مرائي .