لأن دعوته لهم إلى الإسلام ، وإصراره صلّى اللّه عليه وسلّم على هذه الدعوة ، جعل عددا من الكفار يسلم ويؤمن ، وأصابهم خير عميم من اهتدائهم لدين الحق .
إذن : فقول الحق سبحانه وتعالى :
قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ
أي : للبشرية كلها .
وهكذا فرق الحق سبحانه وتعالى بين ما يريدونه ، وما يقصده اللّه جل جلاله . هم قصدوا وصف الرسول أنه أذن سمّاعة . واللّه يقول : إنها أذن خير ؛ وهذا ما يسمونه في اللغة - كما قلنا - : « بالقول الموجب » ، أي :
أن تتفق مع خصمك فيما قاله ، إلا أنك تحول ما قاله من الشر إلى الخير .
والمثال أيضا فيما يقوله الحق سبحانه وتعالى على ألسنة المنافقين حين قالوا :
لَئِنْ رَجَعْنا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ . .
( 8 ) [ المنافقون ]
كانوا يقصدون أنهم هم الأعز ، أما الأذل فهم المؤمنون . ووافقهم الحق سبحانه وتعالى على ما قالوا ؛ نعم سيخرج منها الأعزّ الأذلّ . ولكنه أراد أن يبين لهم من هو العزيز ومن هو الذليل ؛ فقال :
وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ . . .
( 8 ) [ المنافقون ]
فكأن الحق سبحانه وتعالى يؤكد لهم أن الأعز سيخرج الأذل ، ولكنهم يحسبون أنفسهم هم الأعزاء ؛ فيقول لهم :
وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ .
هذا ما يسمونه بالقول الموجب ، أي : أن تتفق مع من يقول ، ويقصد أن يوجه كلامه وجهة الشر ؛ فتقلب المقصود من الكلام وتوجهه وجهة الخير . وهذا مقصود به هنا أن تزيد من ذلة المخاطب ، فأنت تجعله يعتقد أنك توافقه ، فتنفرج أساريره ويشعر بالسعادة ؛ ثم بعد ذلك تنقض ما قاله ؛ فيصاب بالذل . تماما كما يأتي الحارس لسجين يشعر