لحكمة أرادها الحق سبحانه ، فوافقت ما أذن فيه رسول اللّه في التخلف ، وهنا نلاحظ أن الحق سبحانه وتعالى قال :
وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقاعِدِينَ
وإذا كان التثبيط من اللّه ، فكأنه أوضح لهم : اقعدوا بإذن من الإرادة الإلهية . أو أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أذن لهم بالقعود والتخلف لمّا استشفّ تراخيهم ، أو أن الشياطين أوحت لهم بالقعود ، فالحق هو القائل سبحانه :
وَكَذلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَياطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً
[ الأنعام : 112 ]
وهكذا نجد أن كلمة :
قِيلَ
قد بنيت لما لم يسمّ فاعله لإمكان أن يتعدد القائلون ، فاللّه بتثبيطه لهم كأنه قال لهم : اقعدوا ، والرسول صلّى اللّه عليه وسلّم قال لهم : اقعدوا ، والشياطين حينما زينوا لهم القعود ؛ كأنهم قالوا لهم :
اقعدوا . وقولهم بعضهم لبعض زيّن لهم القعود ، وهكذا أعطتنا كلمة واحدة عطاءات متعددة .
وهل ينفى عطاء عطاء ؟ . لا ، بل كلها عطاءات تتناسب مع الموقف .
وَلكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقاعِدِينَ
والمقصود بالقاعدين هنا : هم الذين لا يجب عليهم الجهاد من النساء والأطفال والعجائز . فكأنهم قد تخلوا بعدم خروجهم عن رجولتهم التي تفرض عليهم الجهاد . وهذه مسألة ما كان يصح أن يرتضوها لأنفسهم .
وفي موقع آخر من نفس السورة قال الحق سبحانه :
رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوالِفِ وَطُبِعَ عَلى قُلُوبِهِمْ
[ التوبة : 87 ]
وقد كانت الرجولة تفترض فيهم أن يهبوا للقتال ، لكنهم ارتضوا لأنفسهم ضعف النساء والأطفال .