تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشعراوى — صفحة 5697

مساهمون:

ص٥٦٩٧
إذن : فهناك فرق بين تمثيل الشئ ، وبين حقيقة الشئ ، فحين قال الحق :
مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكاةٍ فِيها مِصْباحٌ الْمِصْباحُ فِي زُجاجَةٍ . . .
( 35 ) [ النور ] فهذا مثل توضيحي للبشر . وشاء الحق ذلك ليعطينا مجرد صورة ؛ لأنه يتكلم عن أشياء لا وجود لها عندك . ولذلك نجد الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم يقول عن الجنة : « فيها ما لا عين رأت ، ولا أذن سمعت ، ولا خطر « 1 » على قلب بشر » « 2 » . وأنت حين ترى ؛ فللرؤية حدود . وحين تسمع فأنت تسمع مرائي غيرك ، وما لا يخطر على البال هو القمة ، فقد ارتقى الرسول في وصفه للجنة من حدود ما تراه العين إلى آفاق ما تسمعه الأذن ، ثم ارتقى من حدود السمع إلى ما لا يخطر على البال ؛ لأنه صلّى اللّه عليه وسلّم علم أن اللغة هي ألفاظ تعبر عن معان ، والمعاني توجد أولا ثم نأتى لها بالألفاظ ؛ ولذلك فالأمثال لمجرد التوضيح باللغة . وهكذا نكون قد استوفينا فهم قوله الحق :
ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ
بما يليق بذات اللّه ، فلا نأخذ الاستواء على المعنى الذي يدل على مكان محيّز ؛ لأنه سبحانه منزّه عن أن يكون متحيزا في مكان ؛ فذاته سبحانه ليست كالذوات ، وفعله ليس كالأفعال ، وصفاته ليست كالصفات .
هامش
( 1 ) خطر : الخاطر : ما يخطر في القلب من تدبير أو أمر ، والخاطر : الهاجس . ويقال : خطر ببالي وعلى بالى كذا إذا وقع ذلك في بالك ووهمك . والجمع : خواطر . ( 2 ) عن سهل بن سعد الساعدي قال : شهدت من رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم مجلسا وصف فيه الجنة حتى انتهى ، ثم قال صلّى اللّه عليه وسلّم في آخر حديثه : « فيها ما لا عين رأت ، ولا أذن سمعت ، ولا خطر على قلب بشر » ، ثم قرأ هذه الآية :تَتَجافى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ ( 16 ) فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ( 17 ) [ السجدة ] أخرجه مسلم في صحيحه ( 2825 ) وأحمد ( 5 / 334 ) من طريق ابن وهب عن أبي صخر به إلى سهل بن سعد ، وأخرجه الحاكم في مستدركه ( 2 / 413 ) من طريق عبد اللّه بن سويد عن أبي صخر به . وقال : صحيح الإسناد ولم يخرجاه ، وأقره الذهبي .