ولم يخرج عن التسمية بالسرية إلا عملية واحدة سمّيت غزوة ولم يخرج فيها رسول اللّه ، وكان المفروض أن تسمى سرية ولكنها سميت غزوة « 1 » .
وقد خرجت المهمة القتالية عن اصطلاح السرية إلى اصطلاح الغزوة ، رغم أن رسول اللّه لم يحضرها ؛ لأن المعركة حدث فيها أشياء كالتي تحدث في الغزوات ، فقد كانت معركة حاسمة وقتل فيها عدد من المسلمين ، وحمل الراية مقاتل واستشهد فحملها غيره وقتل ، فحملها ثالث ، وكانت المعركة حامية الوطيس فقالوا : لا يمكن أن نسمى تلك المعركة ب « السّرية » بل هي غزوة ؛ لأن فيها عنفا شديدا .
لم يلحظوا شيئا واحدا وهو أن التسمية بالغزوة انطبقت تمام الانطباق على مؤتة ؛ لأن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم كان في المدينة والمسلمون خارجون للغزو وأرسل إلى القوات : إن مات فلان في القتال فيليه فلان ، وإن مات فلان ففلان يخلفه « 2 » ، أي : أنه صلّى اللّه عليه وسلّم قد سلسل أمور الغزوة قبل أن تبدأ .
وهي الحملة القتالية الوحيدة التي خرجت بهذه التعليمات ، من بين مثيلاتها من الحملات المحددة التي لم يخرج فيها رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم مع المقاتلين ، وكأنه صلّى اللّه عليه وسلّم كان يعلم مقدّما بمن سيموت من هؤلاء الخارجين إلى القتال .
ثم وصلت الحملة إلى موقعها ودار القتال ، وكان الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم في المدينة والتفت الصحابة فسمعوا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يتكلم ؛ قال : أخذ الراية فلان
هامش
( 1 ) هي غزوة مؤتة ، ومؤتة هي قرية من أرض البلقاء من الشام من أعمال دمشق ، وكانت تسمى أيضا جيش الأمراء .
( 2 ) أخرج البخاري في صحيحه ( 4261 ) عن عبد اللّه بن عمر قال : « أمّر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم في غزوة مؤتة زيد ابن حارثة . فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : إن قتل زيد فجعفر ، وإن قتل جعفر فعبد اللّه بن رواحة . قال عبد اللّه : كنت فيهم في تلك الغزوة ، فالتمسنا جعفر بن أبي طالب ، فوجدناه في القتلى ، ووجدنا ما في جسده بضعا وتسعين من طعنة ورمية » .