يتلصص عليك ، وعليك أن تحتاط لمداخله ؛ لأنه ينتظر اللحظة التي يطعنك فيها من الخلف .
وينبهنا الحق إلى ضرورة الاحتياط ، وأن يمتلك المؤمنون الفطنة والفراسة وصدق النظر إلى الأشياء ، وعدم الانخداع بمظاهر تلك الأشياء ، فكشف لنا سبحانه كل أوجه النفاق ؛ كشف منافقى المدينة حيث يوجد منافقون وغير منافقين ، ومنافقى الأعراب الذين يوجد بينهم منافقون وغير منافقين ، وعلّم الحق سبحانه المؤمنين كيف يتعرفون على المنافقين بالمظاهر التي تكشف ما يدور في صدورهم .
وسبحانه القائل عن المنافقين :
وَلَوْ نَشاءُ لَأَرَيْناكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيماهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ . . .
( 30 ) [ محمد ]
ولكن هناك لون من النفاق ، نفاق فنى دقيق ، يغيب على فطنة المتفطن ، وعلى كياسته . ولذلك يوضح لنا سبحانه : أنا لا أكلكم إلى فطنتكم لتعلموا المنافقين ، وإنما أنا أعلمه وأنتم لا تعلمونه ؛ لأنهم قد برعوا في النفاق
لا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ
ورغم فطنة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وكياسته فقد أوضح له الحق أنه سيغيب عنه أمرهم ؛ لأنهم احتاطوا بفنّية النفاق فيهم حتى لا يظهر .
لقد عبّر القرآن التعبير الدقيق ، فقال :
مَرَدُوا عَلَى النِّفاقِ
والمادة نفسها في كلمة
مَرَدُوا
هي من مرد ، يمرد ، مرودا ، وماردا ، ومريدا ، هذه المادة تصف الشئ الناعم الأملس الذي لا تظهر فيه نتوءات ، ومنه الشاب الأمرد ، يعنى الذي لم ينبت له شعر يخترق بشرته ، إذن :
المادة كلها تدل على الثبات على شئ ، وعدم وجود شئ فيه يخدش هذا الثبات .