حق - فسوف ألقى الجزاء في الجنة ؛ وبذلك لم أخسر ، بل كسبت . لكن افرضوا أنكم عملتم الشر كله وجاء البعث فأنتم الخاسرون . والقضية الفلسفية المنطقية هنا هي : إن لم أكسب فلن أخسر ، وأنتم إن لم تخسروا فلن تكسبوا .
والحق في هذه الآية يقول :
وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرابِ مُنافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفاقِ . .
وكلمة
وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ
تفيد أنكم محاصرون ، لا ممن حولكم فقط ، بل أيضا ببعض من الموجودين بينكم في المدينة ، وهم من تدربوا على النفاق حتى صارت لهم ألفة به .
وهذه الآيات - كما نعلم - قد نزلت تحكى حال المنافقين . والنفاق تتعارض فيه ملكات النفس الإنسانية بأن توجد ملكة كفر في القلب ، بينما توجد ملكة إيمان في اللسان ، فلا يتفق اللسان مع القلب ، فالذين آمنوا يوافق ما ينطقون به ما في قلوبهم ، والذين كفروا وافقت قلوبهم ألسنتهم .
أما الصنف الثالث : وهم الذين نطقوا بالإيمان بألسنتهم ، ولم تؤمن قلوبهم ، فهؤلاء هم المنافقون .
وهو لفظ مأخوذ من « نافقاء اليربوع » ، وهو حيوان صحراوى يشبه الفأر ، ويخدع من يريد صيده ، فيجعل لبيته أو جحره عدة فجوات ، فإذا طارده حيوان أو إنسان يدخل من فجوة ، فيتوهم الصائد أنه سيخرج منها ، ويبقى منتظرا خروجه ، بينما يخرج اليربوع من فجوة أخرى ، فكأنه خادع الصائد ، فالصائد يظن أن للجحر بابا واحدا ، ولكن الحقيقة أن للجحر أكثر من مدخل ومخرج . والنفاق بهذه الصورة فيه ظاهرتان : ظاهرة مرضيّة في المنافق ، وظاهرة صحية في المنافق ؛ ولذلك لم ينشأ النفاق في مكة ، وإنما نشأ في المدينة .