من خاف مقام ربه من الإنس له جنة ، ومن خاف مقام ربه من الجن له جنة .
ويمكن أن يكون المعنى أن لكل واحد جنتين ؛ لأن الحق سبحانه وتعالى علم أزلا ما سيصير إليه أمر عباده من التقوى أو الفجور ، ولكنه تبارك وتعالى لم يخلق للمتقين جنات تكفيهم وحدهم ، أو يخلق للكفار نارا تكفيهم وحدهم ، بل خلق لكل واحد من خلقه إلى أن تقوم الساعة جنة ، ولكل واحد من خلقه إلى أن تقوم الساعة نارا « 1 » ، فإذا دخل أهل الجنة الجنة ؛ بقيت الجنات التي خلقت ولم يدخلها أحد ؛ لأن أصحابها من أهل النار ، فيقوم الحق بتوزيعها على المؤمنين أصحاب الجنة ؛ مصداقا لقوله تعالى :
وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوها بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ
( 72 ) [ الزخرف ]
أي : أنها لم تكن مخلوقة لكم ، ولكنكم ورثتموها ؛ لأن أصحابها من أهل النار « 2 » .
ونزيد الأمر هنا توضيحا ، فالقرآن الكريم له أسلوب مميز ؛ لأن الذي يتكلم هو اللّه سبحانه وتعالى . ولذلك فإن كل لفظ من ألفاظ القرآن الكريم يأتي مطابقا للمعنى تماما . وفي اللغة ، قبل أن تتكلم لا بد أن تكون عالما بمعنى اللفظ . وأن يكون محدثك أيضا عارفا معناه حتى يستطيع أن يفهمك . فإذا قلت لإنسان مثلا : أحضر لي كوبا من الماء لأشرب ، فلا بد أن يكون عارفا لمعنى الماء ومعنى الكوب ، وإلا فإنه لن يفهم .
هامش
( 1 ) عن أبي هريرة قال قال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : « لا يدخل أحد الجنة إلا أرى مقعده من النار لو أساء ، ليزداد شكرا ، ولا يدخل النار أحد إلا أرى مقعده من الجنة لو أحسن ليكون عليه حسرة » أخرجه البخاري في صحيحه ( 6569 ) وأحمد في مسنده ( 2 / 512 ) والجنة والنار منوطان باختيار الأعمال .
( 2 ) عن أبي هريرة قال قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « ما منكم من أحد إلا له منزلان : منزل في الجنة ، ومنزل في النار . فإذا مات فدخل النار ، ورث أهل الجنة منزله . فذلك قوله تعالى :أُولئِكَ هُمُ الْوارِثُونَ »أخرجه ابن ماجة في سننه ( 4341 ) . قال البوصيري في زوائده : « إسناده صحيح على شرط الشيخين » .