والإنسان في حربه مع أخيه الإنسان ينهك بنيران ونتائج الحرب ، تنهكه دما ، وتنهكه مالا ، وتنهكه عتادا ، ويصيب الضعف الإنسان نتيجة هذه الإنهاكات منتصرا كان أم مهزوما ، ولكنه أمام عزة نفسه في مواجهة خصمه يريد أن يستمر في الحرب حتى لا يظهر أمام الخصم بأنه قد ذلّ .
فيشاء اللّه برحمته لخلقه أن يجعل في الزمان وفي المكان ما يحرم فيه القتال ؛ حتى لا يقال : إن قبيلة ما أو جماعة ما قد أوقفت القتال خوفا من خصومها ، أو لأن خصومها هم الأقوى ؛ ولكن ليقول الناس : إنهم أوقفوا الحرب بأمر اللّه .
وبهذا يحتفظ كل طرف من الأطراف المتحاربة بكرامته ؛ فيسهل الصلح وتسلم الأرواح والنفوس .
وكذلك إن لجأ واحد من المتحاربين إلى المكان أو الأماكن التي يحرم اللّه فيها القتال ، أمن على نفسه ، وفي هذا منع للشر أن يستمر ، وصون للنفوس من المهانة والذلة والانكسار أمام الغير ؛ لذلك أراد اللّه أن يوضح لنا : أنا خالقكم ، وأنا الرحيم بكم ، وسأجعل لكم من الزمان زمانا أحرم فيه القتال ، وأجعل لكم مكانا من دخله كان آمنا ، فاستتروا وراء ذلك وكفّوا عن القتال .
وهذه هي بعض من رحمة اللّه ، يعطى بها سبحانه للناس فرص الحياة ، وهذا من عطاءات الربوبية ، وعطاء الربوبية من اللّه هو لخلقه جميعا ، المؤمن منهم والكافر ، والطائع والعاصي ، وكل نعم الكون من عطاءات ربوبية اللّه .
إن عطاءات اللّه سبحانه لا تفرق بين المؤمن والكافر ، فالأرض مثلا لا تعطى الزرع للطائع وتمنعه عن العاصي ، والشمس لا تضئ وتسقط دفئها وحرارتها للمؤمن دون الكافر ؛ فنعم الكون المادية كلها من عطاء ربوبية اللّه سبحانه وتعالى لخلقه .
تفسير الشعراوى — صفحة 5074
مساهمون: محمد متولي الشعراوي
ص٥٠٧٤