وأراد الحق سبحانه أن يضع للسلام ضمانا ، وهو أن توجد قوة تقف أمام الفساد في الأرض ؛ لذلك شاء الحق أن يكون للحرب وجود في هذا الكون ؛ لتتصارع الإرادات ، فما دام للإنسان اختيار ، وما دام هناك من يعصى ومن يطيع ، فلا بد أن يحدث الصراع . أما الأمور التي لا اختيار للإنسان فيها فهي لا تعكر السّلام في الكون ، فلن تقوم ثورة - مثلا - لكي تشرق الشمس ، أو تشتعل حرب لإنزال المطر ؛ لأن هذه الأمور تسير بقوانين القهر التي أرادها اللّه لها ، وتعطى نفعها للجميع ، ولكن الفساد يأتي من انحراف الناس عن منهج اللّه ، وما دام في الكون حراس للمنهج من البشر ، بحيث إذا انحرف إنسان ضربوا على يده حتى يعود إلى الطريق السليم « 1 » ؛ فإن الحياة المطمئنة الآمنة تبقى . ولكن إن عمّ الفساد ، ولم يوجد في المجتمع من يقف ضده تعاندت حركات الحياة وتعب الناس في حياتهم وأرزاقهم .
ولكي يسود السّلام في الكون ؛ وضع الحق سبحانه في الزمن وفي المكان حواجز أمام طغيان النفوس ؛ علّها تفيق وتعود إلى الحق ، فجعل في الزمان أشهرا حرما يمتنع فيها القتال ، ويسود فيها السّلام بأمر السماء ، وأراد الحق أن يكون هذا السّلام القسري فرصة تجعل هؤلاء المتحاربين يفيقون إلى رشدهم وينهون الخلاف بينهم ، كذلك خصّ اللّه بعض الأماكن بتحريم القتال فيها ، فإذا التقى الناس في هذه الأماكن كانت هناك فرصة لتصفية النفوس وإنهاء الخلاف .
هامش
( 1 ) عن النعمان بن بشير عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « مثل القائم على حدود اللّه والواقع فيها كمثل قوم استهموا على سفينة فأصاب بعضهم أعلاها وبعضهم أسفلها ، فكان الذين في أسفلها إذا استقوا من الماء مروّا على من فوقهم ، فقالوا : لو أنّا خرقنا في نصيبنا خرقا ، ولم نؤذ من فوقنا ، فإن يتركوهم وما أرادوا هلكوا جميعا ، وإن أخذوا على أيديهم نجوا ونجوا جميعا » . أخرجه البخاري في صحيحه ( 2493 ، 2686 ) وأحمد في مسنده ( 4 / 268 ، 269 ، 270 ) والترمذي في سننه ( 2173 ) وقال :
حسن صحيح ، وانظر شرح ابن حجر العسقلاني لهذا الحديث في فتح الباري ( 5 / 295 ، 296 ) ففيه كلام قيم جدا .