وهكذا نجد الترقي في الحوار على أربع مراحل ، أولا : لا يخلقون ، ثانيا : هم يخلقون ، ثالثا : لا ينصرونكم ، ورابعا : ولا ينصرون أنفسهم . ثم تأتى المرحلة الخامسة في قوله الحق :
[ سورة الأعراف ( 7 ) : آية 193 ]
وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدى لا يَتَّبِعُوكُمْ سَواءٌ عَلَيْكُمْ أَ دَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنْتُمْ صامِتُونَ ( 193 )
وعلى ذلك فهي خمس مراحل - إذن - ، أكررها لتستقر في الذهن ، أولها أنه من الجائز أنه لا يخلق ، ومن الجائز أن يكون مخلوقا ، ومن الجائز أنه لا يقدر أن ينتصر لغيره لأنه ضعيف ، ولا ينتصر لنفسه لأنه أضعف ، ومع ذلك إن أردت أن تهديه إلى شئ من ذلك أو إلى شئ من العلم فلا يقبل منك .
وكانوا في الجاهلية حين يفزعهم أمر جسيم ينادونهم ويقولون : يا هبل ، يا لات ، يا عزى . وإن لم يصبهم أمر سكتوا عن نداء الأصنام ؛ لذلك يقول لهم اللّه من خلال الوحي لرسوله صلّى اللّه عليه وسلّم :
وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدى لا يَتَّبِعُوكُمْ سَواءٌ عَلَيْكُمْ أَ دَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنْتُمْ صامِتُونَ
( 193 )
( سورة الأعراف )
أي إن دعوتكم لهم لا تفيد في أي أمر تماما كصمتكم .
ونلحظ أن الأسلوب هنا مختلف
« سَواءٌ عَلَيْكُمْ أَ دَعَوْتُمُوهُمْ »
فلم يقل :
« أدعوتموهم أم صمتم » ؛ لأن الفعل يقتضى الحدوث ، ولنا أن نعرف أنهم كانوا لا يفزعون إلى آلهتهم إلا عند الأحداث الجسام . أما بقية الوقت فقد كانوا لا يكلمونهم أبدا ؛ لذلك جاءت « صامتون » لازمة ، لأنها اسم ، والاسم يقتضى الثبوت والاستمرار ، أما الفعل فيقتضى الحدوث والتجدد .
والحق هنا يبلغ المشركين : سواء عليكم أدعوتموهم أم لم تدعوا ، فعدم الاستجابة متحقق فيهم وواقع منهم ، وعدم النصر لأنفسهم ولغيرهم متحقق منهم .