تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشعراوى — صفحة 4377

مساهمون:

ص٤٣٧٧
وقول موسى
« أَنْتَ وَلِيُّنا »
أي ناصرنا ، والأقرب إلينا . فإن ارتكب الإنسان منا ذنبا فأنت أولى به ، إنك وحدك القادر على أن تغفر ذنبه ؛ لذلك يقول موسى :
« فَاغْفِرْ لَنا »
، ونعلم من هذا أنه يطلب درء المفسدة أولا لأن درءها مقدم على جلب المصلحة ، فقدم موسى عليه السلام طلب غفر الذنب ، ثم طلب ودعا ربّه أن يرحمهم ، وهذه جلب منفعة . وقد قال ربنا في مجال درء المفسدة :
فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ
وهذا درء مفسدة وهو البعد عن النار :
وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ .
وهذا جلب منفعة ومصلحة . إذن فدرء المفسدة مقدم على جلب المصلحة ، - وعلى سبيل المثال - إنك ترى تفاحة على الشجرة ، وتريد أن تمد يدك لتأخذها ، ثم التفت فوجدت شابّا يريد أن يقذفك بطوبة ، فماذا تصنع ؟ أنت في مثل هذه الحالة الانفعالية تدفع الطوبة أولا ثم تأخذ التفاحة من بعد ذلك . وهذا هو درء المفسدة المقدم على جلب المصلحة ، وهنا درء المفسدة متمثل في قول موسى :
فَاغْفِرْ لَنا
ثم قال بعد ذلك :
وَارْحَمْنا
وهذا جلب مصلحة ، والقرآن يقول :
وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ ما هُوَ شِفاءٌ وَرَحْمَةٌ
( من الآية 82 سورة الإسرار ) لأن الداء يقع أولا ، وحين تذهب لمنهج القرآن يشفيك من هذا الداء ، والرحمتة ألّا يجئ لك داء بالمرة . فإذا أخذت القرآن لك نصيرا فلن يأتي لك الداء أبدا .
فَاغْفِرْ لَنا وَارْحَمْنا وَأَنْتَ خَيْرُ الْغافِرِينَ
( من الآية 155 سورة الأعراف ) ومثلها مثل قول الحق سبحانه :
خَيْرُ الرَّازِقِينَ ، *
و
خَيْرُ الْماكِرِينَ ، *
و
خَيْرُ الْوارِثِينَ
و
خَيْرُ الْغافِرِينَ
هنا ؛ لأن المغفرة قد تكون من الإنسان للإنسان ، ولكنا نعرف أن مغفرة الرب فوق مغفرة الخلق ؛ لأن الغافر من البشر قد يغفر رياء ، وقد يغفر سمعة ، قد يغفر لأنه خاف بطش المقابل . لكنه سبحانه لا يخاف من أحد ، وهو خير الغافرين من غير مقابل . ويقول الحق بعد ذلك :