شَيْءٌ ،
فإذا كان اللّه هو
أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ *
فهذا يعنى أنه سبحانه لم يمنع الرحمة من خلقه على خلقه ؛ فمن رحم أخاه سمىّ رحيما ، وراحما ، ولكن اللّه أرحم الراحمين ؛ لأن الرحمة من كل إنسان ضمان لمظهرية الغضب في هذا الأحد ، يقال : « رحمت فلانا » أي من غضبك عليه وعقوبتك ، وإنّ عقوبتك على قدر قوتك ، لكن اللّه حين يريد أن يأخذ واحدا بذنب فقوته لا نهاية لها ، وكذلك رحمته أيضا لا نهاية لها .
ويقول الحق بعد ذلك :
[ سورة الأعراف ( 7 ) : آية 152 ]
إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ سَيَنالُهُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ ( 152 )
حين يقال :
اتَّخَذُوا الْعِجْلَ
قد نجد من يتساءل : هل اتخذوه مذبوحا يأكلونه ؟ أو يثير الأرض أو يسقى الحرث ويدير السواقي ؟ لأن العجل موجود لهذه المهام ، لكنهم لم يأخذوا العجل لتلك المهام ، بل إنهم قد اتخذوا العجل إلها ومعبودا ، أما اتخاذه فيما خلق له فلا غبار عليه ، وهو هنا محذوف ومتروك لفطنة السامع ؛ فإذا اتخذنا العجل فيما خلق له العجل لا ينالنا غضب من اللّه ، أما الذين سينالهم غضب اللّه فهم من اتخذوا العجل في غير ما خلق له ، إنهم اتخذوه إلها :
سَيَنالُهُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا .
وقوله :
سَيَنالُهُمْ
يدل على أن أوان الغضب والذلة لم يأت بعد ، وسيحدث في المستقبل ، ومستقبل الدنيا هو الآخرة ، ولكن الحق هنا يقول : إن الذلة ستحدث في الدنيا ، فكيف يكون
سَيَنالُهُمْ غَضَبٌ
مع أنهم تابوا ؟
ويوضح سبحانه لنا ذلك في قوله :
فَتُوبُوا إِلى بارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بارِئِكُمْ فَتابَ عَلَيْكُمْ .