والفسق - إذن - مترتب على اختيار المأمور .
وحين نتأمل نحن بالخواطر معنى : « أمر اللّه » نجد أن أمر اللّه يتمثل في التكوينات الطبيعية الكونية ولا يوجد لأحد قدرة على مخالفة اللّه في ذلك ، فهو القائل : (
إِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ
) .
ويتمثل أيضا أمر اللّه في التشريعات ، وللبشر الذين نزلت لهم هذه التشريعات أن يختاروا بين الطاعة أو العصيان ، وسبحانه القائل عن الأمر بالتشريع : (
وَما أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ
) .
وحين يقول الحق :
( وَإِذا أَرَدْنا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنا مُتْرَفِيها فَفَسَقُوا فِيها )
.
فسبحانه لا يهلك هذه القرية ظلما ، وإنما يرسل إليهم المنهج ، فإن أطاعوا فأهلا وسهلا ، وإن عصوا فلابد لهم من العقاب بالدمار .
وهكذا نرى أن العلماء الذين ظنوا أن الفسق مترتب على الأمر من اللّه لم يلتفتوا إلى أن ورود الأمر في القرآن جاء على لونين : أولا : أمر التكوين بالقهريات فلا يستطيع المأمور أن يتخلف عنه ، ويمثل الأمر القهري قوله الحق :
إِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ
( 82 ) ( سورة يس )
فالأمر جاهز في عالم الأزل ليبرز حين يشاء الحق . والأمر الثاني : هو الأمر التشريعي وهو صالح لأن يختار المكلف بين أن يطيع أو يعصى ، وفي هذا الإطار نفهم قوله الحق :
وَإِذا أَرَدْنا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنا مُتْرَفِيها فَفَسَقُوا فِيها فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْناها تَدْمِيراً
( 16 ) ( سورة الإسراء )
فلا تقل : إن اللّه يأمر بالفسق ؛ فالحق قد أمر المؤمنين بالمنهج لأنه سبحانه لا يأمر بالفحشاء ، بل جاء الأمر لكل البشر أن يعبدوا اللّه مخلصين له الدين ، لكن كبار