ويوضح هنا سبحانه أنه ما دام قد أخذهم بالعقاب في ذواتهم ، وفي مقومات حياتهم ، وفي معكرات صفوهم لم يبق إلا أن يهلكوا ؛ لأنه لا فائدة منهم ؛ لذلك جاء الأمر بإغراقهم ، لا عن جبروت قدرة ، بل عن عدالة تقدير ؛ لأنهم كذبوا بالآيات وأقاموا على كفرهم . ويلاحظ هنا أن أهم ما في القضية وهو الإغراق قد ذكر على هيئة الإيجاز ، وهو الحادث الذي جاء في سورة أخرى بالتفصيل ، فالحق سبحانه يقول :
وَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى أَنْ أَسْرِ بِعِبادِي إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ
( 52 ) ( سورة الشعراء )
ولم يأت الحق هنا بتفاصيل قصة الإغراق ؛ لأن كل آية في القرآن تعالج موقفا ، وتعالج لقطة من اللقطات ؛ لأن القصة تأتى بإجمال في موضع وبإطناب في موضع آخر ، وهنا يأتي موقف الإغراق بإجمال :
فَانْتَقَمْنا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْناهُمْ فِي الْيَمِّ .
وكلمة « فأغرقناهم » لها قصة طويلة معروفة ومعروضة عرضا آخر في سورة أخرى ، فحين خرج موسى وبنو إسرائيل من مصر خرج وراءهم فرعون ، وحين رأى بنو إسرائيل ذلك قالوا بمنطق الأحداث :
إِنَّا لَمُدْرَكُونَ .
مدركون من فرعون وقومه لأن أمامهم البحر وليس عندهم وسيلة لركوب البحر . لكن موسى المرسل من اللّه علم أن اللّه لن يخذله ؛ لأنه يريد أن يتم نعمة الهداية على يديه ، كان موسى عليه السلام ممتلئا باليقين والثقة لذلك قال بملء فيه :
كَلَّا إِنَّ مَعِي رَبِّي سَيَهْدِينِ
( من الآية 61 سورة الشعراء )
هو يقول : « كلا » أي لن يدركوكم لا بأسبابه ، بل بأسباب من أرسله بدليل أنه جاء بحيثيتها معها وقال :
إِنَّ مَعِي رَبِّي سَيَهْدِينِ .
لقد تكلم بمنطق المؤمن الذي أوى إلى ركن شديد ، وأن المسائل لا يمكن أن تنتهى عند هذا الوضع ؛ لأنه لم يؤد المهمة بكاملها ، لذلك قال : « كلا » بملء فيه ، مع أن الأسباب مقطوع بها . فالبحر أمامهم والعدو من خلفهم ، وأتبع ذلك بقوله :
إِنَّ مَعِي رَبِّي