وإلقاء التدريب على المهمة هدفه طمأنة موسى ، حتى إذا ما باشرها أمام فرعون باشرها وهو على يقين أن العصا ستسجيب له فتنقلب حية بمجرد إلقائها ، ولو أن اللّه قال له خبرا « إذا ذهبت إلى فرعون فألق العصا فستنقلب حية » ، فقد لا يطمئن قلبه إلى هذا الأمر . فأراد اللّه أن يدربه عليها تدريبا واقعيّا ، ليعلم أن العصا ستسجيب له حين يلقيها فتنقلب حية ، وكان ذلك أول إلقاء لها ، أما الإلقاء الثاني فكان ساعة أن جاء لفرعون للإعلام بمهمته أنه رسول رب العالمين ، وإعلامة بالبينة ، وهو ما نحن بصدده الآن في هذه الآية التي نتكلم بخواطرنا الإيمانية فيها .
ثم هناك إلقاء ثالث وهو إلقاء التحدي للسحرة ، ولأن لكل إلقاء موقعا فلا تقل أبدا : أن ذلك تكرار . وإنما هو تأسيس لتعدد المواقف والملابسات ، فلكل موقف ما يتطلبه ، فلا تغنى لقطة هنا عن لقطة هناك .
فَأَلْقى عَصاهُ فَإِذا هِيَ ثُعْبانٌ مُبِينٌ
( 107 ) ( سورة الأعراف )
ومرّة يقول عن العصا :
كَأَنَّها جَانٌّ . *
ويقول المشككون في كلام اللّه من المستشرقين : كيف يقول مرة إنها ثعبان مبين . ثم مرة أخرى يقول :
فَإِذا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعى ،
ومرة ثالثة يقول :
كَأَنَّها جَانٌّ . *
ونقول : إن هناك فارقا بين مختلفات تتناقض ، ومختلفات تتكامل ، فهي ثعبان مرة ، وهي حية مرة ثانية ، وهي جان ؛ لأن الثعبان هو الطويل الخفيف الحركة ، والحية هي الكتلة المخيفة بشكلها وهي متجمعة ، والجان هو الحية المرعبة الشكل . فكأنها تمثلت في كل مرة بمثال يرعب من يراه ، وكل مرة لها شكل ؛ فهي مرة ثعبان ، ومرة حية ، وثالثة جان ، أو تكون ثعبانا عند من يخيفه الثعبان ، وتكون حية عند من تخيفه الحية ، وتكون جانا عند من يخيفه الجان ، ولذلك تجد أن إشاعة الإبهام هو عين البيان للمبهم .
ومثال ذلك إبهام الحق لأمر الموت ، فلا يحكمه سن ، ولا يحكمه سبب ، ولا يحكمه زمان ، وفي هذا إبهام لزمانه وإبهام لسببه مما يجعله بيانا شائعا تستقبله