ويقول الحق بعد ذلك :
[ سورة الأنعام ( 6 ) : آية 120 ]
وَذَرُوا ظاهِرَ الْإِثْمِ وَباطِنَهُ إِنَّ الَّذِينَ يَكْسِبُونَ الْإِثْمَ سَيُجْزَوْنَ بِما كانُوا يَقْتَرِفُونَ ( 120 )
هذه تقنينات السماء التي تحمى المجتمع من بعضه وذلك في ألا تقع عين أحد على مخالفة من أحد ، وإذا وقعت عينك على مخالفة من غيرك تكون المخالفة مما يدرك لكنها ليست كل الفساد في المجتمع ؛ ففساد المجتمع يأتي من أشياء كثيرة لا تقع تحت دائرة الإدراكات . وهناك أشياء تكون في منابع النفس البشرية التي تصدر عنها عوامل النزوع ؛ فقبل أن يوجد إثم ظاهر يوجد إثم باطن ، والإثم الباطن سابق على الإثم الظاهر . والتقنينات البشرية كلها تحمينا من ظاهر الإثم ، ولكن منهج السماء يحمينا من فساد ظاهر الإثم وباطن الإثم .
ويوضح لنا الحق الفرق بين تقنين البشر للبشر وتقنين الإله ، فسبحانه رقيب على مواجيدكم ووجداناتكم وسرائركم ، فإياكم أن تفعلوا باطن الإثم ، ولا يكفى أن تحمى نفسك من أن يراك القانون ؛ لأن قصارى ما يعمل القانون أن يمنع الناس من أن يتظاهروا بالجريمة ويقترفوها علانية ، والفرق بين تشريع السماء وتشريع الأرض أن تشريع الأرض يحمى الناس من ظاهر الإثم ، ولكن تشريع السماء يحمى الناس من ظاهر الإثم وباطن الإثم ، وباطن الإثم هو أعنف أنواع الإثم في الأرض .
وبعض أهل الاكتساب في الشر برياضتهم على الشر يسهل عليهم فعل الشر وكأنهم يفعلون أمرا قد تعودوا عليه بلا افتعال .
و « كسب » - كما نعلم - تأتى بالاستعمال العام للخير ، و « اكتسب » تأتى للشّر لأن الخير يكون فيه الفعل العملي رتيبا مع كل الملكات ، ولا افتعال فيها ، فمن يريد - مثلا - أن يشترى من محل ما فهو يذهب إلى المحل في وضح النهار ويشترى . لكن من يريد أن يسرق فهو يرتب للسرقة ترتيبا آخر ، وهذا افتعال ، لكن الافتعال قد يصبح بكثرة المران والدربة عليه لا يتطلب انفعالا ، لأنه قد أضحى لونا من