وهنا يسمى الحق ما لم يذكر اسم اللّه عليه ب « الفسق » وهو ما تشرحه الآية الأخرى وتبرزه باسم مخصوص :
قُلْ لا أَجِدُ فِي ما أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلى طاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مَسْفُوحاً أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقاً أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ . .
( 145 ) [ سورة الأنعام ]
إذن ف « فسقا » معطوفة على الميتة والدم المسفوح ولحم خنزير ، لكنه سبحانه فصل بين المعطوف وهو ( فسقا ) ؛ والمعطوف عليه بحكم يختص بالمعطوف عليه ، وهذا الحكم هو الرجس وهكذا أخذت الثلاثة المحرمات حكم الرجس . وعطف عليها ما ذبح وذكر عليه اسم غير اللّه كالأصنام وهو قد جمع بين الرجس والفسق .
ويقول الحق :
« وَإِنَّ الشَّياطِينَ لَيُوحُونَ إِلى أَوْلِيائِهِمْ »
وسبحانه يريد أن يبين لنا أن الفطرة السليمة التي لا يميلها هوى تصل إلى حقائق الخير ، ولذلك نجد أن الذين يحثون ويحض بعضهم بعضا على الشر ويعلم بعضهم بعضا بخفاء إنما يأخذون مقام الشيطان بالوسوسة والتحريض على العصيان والكفر ؛ لأن المسألة الفطرية تأبى هذا ، وحين يرتكب إنسان موبقة من الموبقات ، إنما يلف لها ويتحايل ليصل إلى ارتكاب الموبقة ، وقد يوحى بذلك إلى غيره ، فيدله على الفساد . ويكون بذلك في مقام الشياطين الذين يوحون إلى أوليائهم بإعلام خفى ؛ لأن الفطرة السليمة تأبى الأشياء الشريرة وتقف أيضا فيها ، ولا يجعلها تتقدم إلى الشر إلا الهوى ، فإذا ما أراد شيطان من الإنس أو شيطان من الجن أن يزيّن للناس فعلا فهو لا يعلن ذلك مباشرة . إنما يلف ويدور بكلام ملفوف مزين .
« وَإِنَّ الشَّياطِينَ لَيُوحُونَ إِلى أَوْلِيائِهِمْ لِيُجادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ »
وفي ذلك إشارة إلى قول المشركين : تأكلون ما قتلتم أنتم ولا تأكلون ما قتل اللّه وأنتم أولى أن تأكلوا مما قتل اللّه .
. . وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ
( 121 ) [ سورة الأنعام ]