وهكذا يؤكد لك سبحانه أن رحمته في يدك أنت وقد أعطاها لك ، وعندما تسلسلها تجدها تفضلا من اللّه ، ولكن في يدك أنت .
( إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ ) .
ونعلم أن فيه صفات للّه وفيه ذات ، فالذات ( اللّه ) وهو واهب الوجود ، وله كل صفات الكمال وكل صفة لها متعلق ؛ الرحمة لها متعلق ، والبعث له متعلق فمن أسمائه سبحانه « الباعث » ؛ وإياك أن تغيب عن الذات ، اجعل نفسك مسبحا لذاته العلية دائما . وقد تقول : يا رب أريد أن ترحمني في كذا ، وقد لا ينفذ لك ما طلبت ، لكن ذلك لا يجعلك تبتعد عن التسبيح للذات ، لأن عدم تحقيق ما طلبت هو في مصلحتك وخير لك .
وقد وقف العلماء عند كلمة « قريب » هذه ، وتساءل بعضهم عن سرّ عدم مجىء تاء التأنيث بعد لفظ الجلالة ؟ ونعلم أن القرآن قد نزل بلغة العرب ، وعند العرب ألفاظ يستوى فيها التذكير والتأنيث ، وما يقال للمذكر مثلما يقال للمؤنث ، فنقول : « رجل صبور » ، و « امرأة صبور » ، ولا نقول : صبورة ونقول : « رجل معطار » أي يكثر استخدام العطر ، و « امرأة معطار » أي تكثر استخدام العطر . ونقول : قريب مثلما نقول : قتيل بمعنى مقتول . فيقال : « رجل قتيل » و « امرأة قتيل » ، ولا يقال :
« قتيلة » إلا إذا لم يذكر معها كلمة امرأة أو ما يدل على التأنيث ، لأن القتيل للذكر وللأنثى .
هذه هي ألفاظ صحيح اللغة . وقد صنعت اللغة ذلك بأسانيد ، فأنت حين تقول :
« رجل صبور » أو « امرأة صبور » فالصبر يقتضى الجلد والعزم والشدة ؛ لذلك لا نقول :
« امرأة صبورة » بل نأتى بالوصف المناسب للجلد والشدة . وإياك أن تضعفها بحكاية التأنيث ، وكذلك « رجل معطار » و « امرأة معطار » ، والرجل المعطار هو من تعرفه الناس من نفاذ رائحة عطره ، والمرأة مبنية على الستر . فإن تعطرت فهي قد تشبهت بالرجل ويقال لها : « امرأة معطار » ، وحين ننظر إلى كلمة « قريب » فهي من صيغة « فعيل » التي يستوى فيها المذكر والمؤنث ؛ بدليل أن اللّه قال :
وَإِنْ تَظاهَرا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلاهُ وَجِبْرِيلُ وَصالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلائِكَةُ بَعْدَ ذلِكَ ظَهِيرٌ
( من الآية 4 سورة التحريم )