الجزء السابع
[ بقيّة سورة الأنعام ]
والنص القرآني جاء بقوله الحق :
« لا يُؤْمِنُونَ »
وجاء العلماء عند هذه المسألة واختلفوا ، وجزى اللّه الجميع خيرا ؛ لأنها أفهام تتصارع لتخدم الإيمان . ونسأل :
ما الذي يجعل الأسلوب يجئ بهذا الشكل ؟ ونقول : إنها مقصودات الإله حتى نعيش في القرآن . لا أن نمر عليه المرور السريع . والأسلوب في قوله :
« وَما يُشْعِرُكُمْ أَنَّها إِذا جاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ »
هو دليل على أنه ليس لكم علم . وقلنا : إن الشعور يحتاج إلى إدراك ومواجيد ونزوع ، فعلى أي أساس بنيتم شعوركم هذا ؟ أنتم أخذتم ظاهر كلامهم ، ولكن الحق يعلم ويحيط بما يخفون ويبطنون . وكأنه سبحانه يوضح أن طلب الآية إنما هو تمحيك . وأنتم لا تعلمون أن اللّه إن جاء لهم بالآية فلن يؤمنوا .
وبعض من المفسرين قال : إن ( لا ) زائدة ومنهم من كان أكثر تأدبا فقال : ( لا ) صلة لأنهم خافوا أن يقولوا : ( لا ) زائدة وقد يأخذ البعض بمثل هذا القول فيحذفها ، لذلك أحسنوا الأدب ؛ لأن الذي يتكلم هو الإله وليس في كلامه حرف زائد بحيث لو حذفته يصح الكلام ، لا . إنك إذا حذفت شيئا فالكلام يفسد ولا يؤدى المراد منه ؛ لأن للّه مرادات في كلامه ، وهذه المرادات لا بد أن يحققها أسلوبه . والمثال في حياتنا أن يقول لك واحد : « ما عندي مال » أو ما عندي من مال ؟ إن « من مال » هنا ابتدائية أي ما عندي من بداية ما يقال : إنه مال ، أما من يقول : « ما عندي مال » أي ليس عنده ما يعتد به من المال الذي له خطر وقيمة ، بل عنده قروش مما لا يقال له : مال . إن في جيبه القليل من القروش .
و « لا » في هذه الآية جاءت لأن الحق يريد أن يقول للمؤمنين : ما يعلمكم يا مؤمنون أنني إذا جئت لهم بالآية يؤمنون ، فكأنه سبحانه ينكر على المؤمنين تأييد مطلب الكافرين . وقد تلطف الحق مع المؤمنين وكرم حسن ظنهم في التأييد لأنهم لا يؤيدون الطلب حبا في الكفار ، بل حبا في النبي والمنهج ، وكأن الحق يقول لهم :
أنا أعذركم لأنكم تأخذون بظاهر جهد اليمين « وأقسموا باللّه جهد أيمانهم » ومبالغتهم فيه . ولا أنكر عليكم تصديقكم لظاهر قولهم ؛ لأن هذا هو مدى علمكم ، وما أدراكم أنني إذا جئت بالآية أنهم أيضا لن يعلنوا الإيمان . ولو كنتم تعلمون ما أعلم لعرفتم أنهم لن يؤمنوا . إذن حين جاء الأسلوب ب « لا يؤمنون » ف « لا » حقيقية وليست زائدة . ومن أجل أن يطمئن الحق المؤمنين أظهر لهم أن علمه الواسع يعلم حقيقة أمرهم يقول :