وهذه هي الإذاقة ، كأنها صارت لباسا من الجوع يشمل الجسد كله ، والإذاقة أشد الإدراكات تأثيرا ، واللباس أشمل للجسد .
( فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ ) .
ولم يقل الحق : بما كنتم تكتسبون ؛ لأن اكتسابهم للسيئات لم يعد فيه افتعال ، بل صار أمرا طبيعيا بالنسبة لهم ، وعلى الرغم من أن الأمر الطبيعي في التكوين أن يصنع الإنسان الحسنة دون تكلف ولا تصنع ، وفي السيئات يجاهد نفسه ؛ لأن ذلك يحدث على غير ما طبع عليه ، ولكن هؤلاء من فرط إدمانهم للسيئات فسدت فطرتهم ولم تعد ملكاتهم تتضارب عند فعل السيئات ، بل صاروا يرتكبون الإثم كأمر طبيعي ، وهذا هو الخطر الذي يحيق بالمسرفين على أنفسهم ؛ لأن الواحد منهم يفرح بعمل السيئات .
ويقول الحق بعد ذلك :
[ سورة الأعراف ( 7 ) : آية 40 ]
إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْها لا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوابُ السَّماءِ وَلا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِياطِ وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ ( 40 )
والحق يريد أن يعطى حكما جديدا ويحدد من هو المحكوم عليه ليعرف بجريمته ، وهي جريمة غير معطوفة على سابقة لها ، وليعرف كل إنسان أن هذه جريمة ، وأن من يرتكبها يلقى حكما وعقابا .
( إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْها ) .
وقد عرفنا من قبل معنى الآيات ، وأنها آيات القرآن المعجزة أو الآيات الكونية ، وأي إنسان يظن نفسه أكبر من أن يكون تابعا لمنهج جاء به رسول عرف بين قومه بأمانته ، وهذا الانسان يستحق العقاب الشديد . فصحيح أن محمدا صلّى اللّه عليه وسلّم لم يكن له من الجاه ولا سلطان ما ينافس به سادة وكبراء قريش ، ولذلك وجدنا من يقول :
وَقالُوا لَوْ لا نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ
( 31 ) [ سورة الزخرف ]