تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشعراوى — صفحة 3182

مساهمون:

ص٣١٨٢
« لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهاجاً »
والشرعة هي الطريق في الماء . والمنهج هو الطريق في اليابسة . ومقومات حياة الإنسان هي من الماء ومن الغذاء الذي يخرج من الأرض ، فكذلك جعل الحق سبحانه وتعالى في القيم هذين الاثنين ، الشرعة والمنهاج ، وما دام سبحانه قد جعل لكل منا شرعة ومنهاجا ، فلماذا قال في موضع آخر من القرآن :
شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ ما وَصَّى بِهِ نُوحاً
( من الآية 13 سورة الشورى ) معنى هذا القول هو الاتفاق في أصول العقائد التي لا تختلف أبدا باختلاف الأزمان . ففي بدء الإسلام نجد أنه جاء ليؤصل العقيدة أولا بلا هوادة ، فنادى بوحدانية اللّه ، وعدم الشرك به ، وصفات الكمال المطلق فيه ، وعدم تعدد الآلهة . أما بقية الأحكام الفعلية فقد جعلها مراحل . وكان يخفف قليلا فقليلا . إذن فالمراحل إنما جاءت في الأحكام الفعلية ، أما العقائد فقد جاءت كما هي وبحسم لا هوادة فيه . إذن فقوله الحق :
« شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ ما وَصَّى بِهِ نُوحاً » .
هذا القول مقصود به العقائد . وما دام قد شرع لنا في الدين ما وصى به نوحا ، فهذا توصية بأفعال تتعلق أيضا بزمن نوح ، وسبحانه الذي وضع لنا المنهاج الذي نسير عليه في زماننا . إذن فالأمران متساويان . والمهم هو وحدة المصدر المشرّع . ويقول الحق :
« وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً واحِدَةً » .
فلو شاء لجعل « افعل » ولا « تفعل » واحدة في كل المناهج ، ولكن ذلك لم يكن متناسبا مع اختلاف الأزمان والأقوام الانعزالية قبل الإسلام بداءاتها المختلفة ؛ لذلك كان من المنطقي أن تأتى الأحكام مناسبة للداءات .
وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً واحِدَةً وَلكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي ما آتاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْراتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً
( من الآية 48 سورة المائدة ) وسبحانه وتعالى
لَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً واحِدَةً
في « افعل » و « لا تفعل » ولكنه
تفسير الشعراوى — صفحة 3182 | محمد متولي الشعراوي