ضَلَّ ضَلالًا بَعِيداً » .
والمشرك مهما أخذ من متع لحياته فحياته محدودة ، فإن بقيت له المتع فلسوف يتركها ، وإن لم تبق له المتع فهي تخرج منه . إذن ، هو إما تارك للمتع بالموت ، أو المتع تاركة له بحكم الأغيار ، فهو بين أمرين : إمّا أن يفوتها وإمّا أن تفوته . وهو راجع إلى اللّه ، فإذا ما ذهب إلى اللّه في الآخرة والحساب ، فالآخرة لا زمن لها ، ولذلك ما أطول شقاءه بجريمته ، وهذا ضلال بعيد جدا . أما الذي يضل قليلا فهو يعود مرة أخرى إلى رشده . ومن المشركين باللّه هؤلاء الذين لا يجادلون في ألوهية الحق ولكنهم يجعلون للّه شركاء . وهناك بعض المشركين ينكرون الألوهية كلها وهذا هو الكفر . فهناك إذن مشرك يؤمن باللّه ولكن يجعل له شركاء .
ولذلك نجد أن المشركين على عهد رسول اللّه يقولون عن الأصنام :
ما نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللَّهِ زُلْفى
( من الآية 3 سورة الزمر )
ولو قالوا : لا نذبح لهم إلا ليقربونا إلى اللّه زلفى ، مثلا ، لكان من الجائز أن يدخلوا في عبادة اللّه ، ولكنهم يثبتون العبادة للأصنام ؛ لذلك لا مفر من دخولهم في الشرك . ويقول سيدنا إبراهيم عن الأصنام :
فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعالَمِينَ
( 77 )
( سورة الشعراء )
إنه يضع الاستثناء ليحدد بوضوح قاطع ويقول لقومه :
إن ما تعبدونه من الأصنام ، كلهم عدو لي ، إلا رب العالمين . كأن قوم إبراهيم كانوا يؤمنون باللّه ولكن وضعوا معه بعض الشركاء . ولذلك قال إبراهيم عليه السّلام عن اللّه :
الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ ( 78 ) وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ
( 79 )
( سورة الشعراء )
إذن الشرك ليس فقط إنكار الوجود للّه بل قد يكون إشراكا لغير اللّه مع اللّه . ولنر من يعبدونه ويدعونه في مصائبهم :