وبعد أن رحل موسى عن القوم عبدوا العجل الذي صنعه لهم موسى السامرىّ ، وعاد إليهم موسى وعاتب أخاه هارون العتاب القاسى ، وعاقبهم ربهم على كفرهم أربعين سنة .
كأن كل يوم من عبادة العجل صار سنة من العقاب في التيه . ولأنه ربّ ورحيم لم يتركهم دون أن يحفظ لهم حياتهم بالقوت ، فكان القوت هو المنّ والسّلوى . هل كان موسى عليه السّلام معهم في التيه أم لا ؟ وهل مات معهم في التيه أم لا . ؟ تلك أسئلة لا تهمنا الإجابة عنها بالرغم من أن بعض العلماء قد شغلوا أنفسهم بها ؛ فتلك أمور لا تنفع ولا تضر . المهم أن بني إسرائيل لم يدخلوا أريحا إلا على يد يوشع بن نون بعد الأربعين سنة :
قالَ رَبِّ إِنِّي لا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي فَافْرُقْ بَيْنَنا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ ( 25 ) قالَ فَإِنَّها مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ فَلا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ
( 26 )
( سورة المائدة )
ولنا أن نقرأ هذا القول الحكيم كما يلي :
« قالَ رَبِّ إِنِّي لا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي فَافْرُقْ بَيْنَنا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ . قالَ فَإِنَّها مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ » .
وهذا الوقف يعطينا الفهم بأن الأرض المقدسة صارت محرّمة عليهم إلى الأبد . وبعد ذلك يأتي أمر اللّه بعقابهم في التيه أربعين سنة :
« أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ فَلا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ » .
أما لو قرأنا هذا القول الحكيم كما يلي :
« قالَ رَبِّ إِنِّي لا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي فَافْرُقْ بَيْنَنا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ قالَ فَإِنَّها مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ فَلا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ »
فهذه القراءة تتيح لنا الفهم بأن مدة العقوبة لهؤلاء القوم الفاسقين أربعون سنة في التيه . ودخلوا بعدها مدينة أريحا .
ويأمر الحق موسى ألّا يحزن على هؤلاء القوم الفاسقين ، ذلك أن موسى عليه السّلام عندما دعا اللّه بقوله :
« فَافْرُقْ بَيْنَنا »
انتابه قدر من الضّيق من هذا الدّعاء وقال لنفسه : لماذا لم ادع لهم بالهداية بدلا من أن أدعو بالفراق ؟ ، ولذلك قال له الحق :
« فَلا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ »
أي فلا تحزن عليهم لأنهم أولى بالعذاب لفسقهم ومخالفاتهم .
( راجع أصله وخرج أحاديثه الدكتور / أحمد عمر هاشم نائب رئيس جامعة الأزهر . )