وما أضل علم الإنسان في كثير من المسائل ؛ فالإنسان قد يحسب أمرا أنّه هو الحسن ، فيظهر له بعد حين أنه السوء ، وقد يعتبر إنسان أمرا هو السئ ، فيظهر له بعد حين أنه الحسن ، ولا يوجد واحد منا إلا وفي حياته أشياء كان يظنها خيرا ؛ فإذا بها شر ، أو كان يظنها شرا فإذا بها خير . والشر هو ما يأتيه الإنسان لنفسه بعمله ، أما الأمور التي تقع على الإنسان فحكمتها تمشى على مقتضى علم اللّه لا على مقتضى هوى البشر .
إننا نجد من يقول : إنني أدعو اللّه بكذا ولا يستجيب لي . ونقول : إنك تدعو بأشياء تظنها الخير لك ؛ لكن اللّه يعلم أن هذه الأشياء ليست هي الخير ؛ لذلك لا يعطيها لك ، فإن كنت مؤمنا باللّه ومعتصما به فأنت تهمس لنفسك : إلى في هذا الأمر مدخل أم لا مدخل لي فيه ؟ . فإذا كان لك فيه مدخل فاللوم على نفسك . وإن كان اللّه قد أجراه عليك فهو خير لك وللّه حكمة في ذلك .
وحظّى من الدنيا سواء لأننى * رضيت بحكم اللّه في العسر واليسر
فإن أقبلت كان الجزاء على النجا * وإن أدبرت كان الجزاء على الصبر
« فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِراطاً مُسْتَقِيماً »
. وما داموا قد آمنوا باللّه واعتصموا به فسيهديهم صراطه المستقيم ، وعاقبة الهداية وثمرتها فسرها وبيّنها قوله الحق :
وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زادَهُمْ هُدىً وَآتاهُمْ تَقْواهُمْ
( 17 )
( سورة محمد )
وقال لنا الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم :
( من عمل بما علم ورّثه اللّه علم ما لم يعلم ) « 1 » .
أي يصير مأمونا على العلم ؛ لأن العلم الذي أخذه عن اللّه وظّفه في خدمة غيره ،
هامش
( 1 ) أبو نعيم في الحلية ، اتحاف السادة المتقين للزبيدى ، ورواه السيوطي في الدرّ المنثور والقرطبي في التفسير ، والفوائد المجموعة للشوكاني .