إذن فقد تجردوا من نفوسهم ومن حولهم ومن قوتهم ومن عددهم ومن أي شئ إلا أن يقولوا : اللّه كافينا وهو نعم الوكيل لمن عجز عن إدراك بغيته . لقد عرفوا الأمر المهم ، وهو أن يكون كل منهم دائما في حضانة ربه ، وقد أخذ صحابة رسول اللّه وآل بيت رسول اللّه هذه الجرعة الإيمانية واستنبطوا منها الكثير في حل قضاياهم .
وقول اللّه سبحانه :
« حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ »
يذكرنا بالإمام جعفر الصادق ابن سيدي محمد الباقر بن سيدي على زين العابدين وكان من أفقه الناس بالقرآن ، وكان من أعلمهم في استنباط أسرار اللّه في القرآن ، إنّه كان يجد في قول الحق :
« حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ »
استنباطا رائعا ، فهو يتعجب لأي إنسان أدركه الخوف من أي شئ يخيف ، والإنسان لا يخاف إلا أمرا ينقض عليه رتابة راحته ، ويقلقه ويهدده في سلامه وأمنه واطمئنانه ، ويكون لهذا الخوف مصدر معلوم ، فإذا ما تعرض المؤمن لمثل هذا الخوف فعليه أن يتذكر قول الحق :
« حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ »
لأنها قضية نفعت الجيش كله في معركته مع الكفار ، فحين يأخذ الفرد هذه الجرعة فهو يستعيد رباطة الجأش . واشتداد القلب فلا يفر عند الفزع .
وينبهنا سيدنا جعفر الصادق إلى هذه القضية لنفزع إليها عند كل ما يخيفنا فيقول : عجبت لمن خاف ولم يفزع إلى قول اللّه :
« حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ »
إنه بنظرته الإيمانية يتعجب لإنسان أدركه الخوف ثم لا يفزع إلى هذا القول الكريم
« حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ »
، ثم يستنبط بإشراقاته سر هذا فيقول : لأنى سمعت اللّه بعقبها يقول :
« فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ »
وانظروا إلى قول سيدنا جعفر الصادق : « فإني سمعت اللّه بعقبها » هو قرأ بنفسية المؤمن الصادق ، فالمؤمن حين يقرأ كلام اللّه إنما يستحضر أنه يسمع اللّه يتكلم إنه يقول : فإني سمعت اللّه بعقبها يقول :
« فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ »
ولذلك فالحق يقول :
وَإِذا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ
( 204 )
( سورة الأعراف )
فأنت حين تستمع إلى القرآن فاللّه هو الذي يتكلم ، ومن العيب أن يتكلم ربك