وليس المقصود بالأيام ما هو معروف لدى الناس من أوقات تضم الليل والنهار ، ولكن المقصود ب « الأيام » هنا هو أوقات النصر أو أوقات الغلبة . ويقال أيضا :
« يوم فلان على فلان » إذن
« وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُداوِلُها بَيْنَ النَّاسِ »
لم تتضمن المداولة بين المؤمنين والكافرين ، ولكنها مداولة بين الذين مالت أبصارهم إلى الغنائم فتخلخل إيمانهم ، ففازت قريش ظاهريا . فلو ظللتم على إيمانكم لما حدث ذلك أبدا .
لكنكم تخليتم عن منهج ربكم ، وبذلك استويتم وتساويتم مع غير المؤمنين ، وبذلك تكون الأيام لذلك مرة ولهذا مرة أخرى ، إنها مطلق عدالة .
علينا أن نتذكر الشرط السابق ، لا لعدم الهزيمة . بل للعلو والنصر :
« وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ »
.
إن الحق سبحانه في مسألة مداولة الأيام ينبه المؤمنين الذين تخلخل إيمانهم :
مادمتم اشتركتم معهم في كونكم مجرد « أناس » فيصبح النصر يوما لهم ويوما لكم ، والذكي العبقرىّ الفطن الذي يحسن التصرف هو من يغلب ؛ لأن المعركة هنا تدور بين قوة بشر مقابل قوة بشر . وما دام المسلمون قد تخلوا عن منهج اللّه فقد صاروا مجرد بشر في مواجهة بشر . ولذلك قلنا : إنه عندما تخلى الرماة عن إنفاذ أمر القائد الأعلى سيدنا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ظهرت عبقرية خالد بن الوليد على عبقرية المقاتلين المسلمين .
ويجب أن نلحظ في قوله الحق :
« وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُداوِلُها بَيْنَ النَّاسِ »
أننا لا يمكن أن نقول : إن مداولة الأيام تكون بين المؤمنين والكافرين ، إنما هي بين الناس ؛ لأن الناس هم مجموعة الإنسان ، فإن تجردوا عن منهج السماء فهم سواسية ، وصاحب الحيلة يغلب ، أو صاحب القوة يغلب ، أو صاحب العدد أو العدّة يغلب .
ولكن ما الذي يعوض كل تلك الإمكانات ويحقق النصر ؟ إنك إن تأخذ اللّه في جانبك فلن يجرؤ مخلوق أن يكون في مواجهة الحق في معركة . لقد قلنا قديما وعلينا أن نعيها جيدا : إن الولد الصغير حينما يضطهده زملاؤه فيلجأ إلى حضن أبيه ، عندئذ ينصرف كل منهم إلى حاله ، لكن أقرانه يستطيعون أن يهزموه عندما يبتعد