إن كان قد حدث لك كذا ، فقد حدث لخصمك مثله . إذن فنحن نسليه .
والمقصود هنا أن الحق يسلّى المؤمنين : إن يمسسكم قرح فلا تبتئسوا ، فليكن عندكم سلّو ولتجتازوا هذا الأمر ولترض به نفوسكم ؛ لأن القوم قد مسهم قرح مثله .
والأسوة والتسلية ، هل تأتى بما وقع بالفعل أم بما سيقع ؟ . إنها تأتى بما وقع بالفعل ، إذن فهي تعلل تعليلا صحيحا :
« إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ »
.
وأطلق الحق سبحانه من بعد ذلك قضية عامة :
« وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُداوِلُها بَيْنَ النَّاسِ »
. ما معنى المداولة ؟ . داول أي نقل الشئ من واحد لآخر . ونحن هنا أمام موقعتين ؛ غزوة بدر وغزوة أحد . وكان النصر للمسلمين في غزوة بدر بالإجماع ، أما غزوة أحد فلم يكن فيها هزيمة بالإجماع ولم يكن فيها نصر .
إذن فقوله الحق :
« وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُداوِلُها بَيْنَ النَّاسِ »
أي مع التسليم جدلا بأن الكفار قد انتصروا - رغم أن هذا لم يحدث - فإننا نقلنا النصر منكم أيها المؤمنون إليهم .
وإياك أن تفوتك هذه الملاحظة ، بأن النصر لم ينتقل إليهم إلا بمخالفة منكم أيها المؤمنون . ومعنى مخالفة منكم ، أي أنكم طرحتم المنهج . ومعنى أنكم طرحتم المنهج ، أي أنكم أصبحتم مجرد « ناس » مثلهم .
ومادمتم قد صرتم مجرد ناس بدون منهج مثلهم ومتساوين معهم ، فإن النصر لكم يوم ، ولهم يوم . ولنلحظ أن الحق لم يقل : إن المداولة بين الناس هي مداولة بين مؤمنين وكافرين .
فإن ظللتم مؤمنين فلا يمكن أن ينتقل النصر إلى الكفار ، إنما النصر يكون لكم .
انظر ماذا قال :
« وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُداوِلُها بَيْنَ النَّاسِ »
ولم يقل بين المؤمنين والكافرين ، أي بينكم وبين قريش .