فرأيت عبادتي لها عبادة للعدو ، فاجتنبتها ، وآثرت عبادة من الخير كله منه ؛ وأراهم بذك أنها نصيحة نصح بها نفسه أولا ، وبنى عليها تدبير أمره ، لينظروا فيقولوا : ما نصحنا إبراهيم إلا بما نصح به نفسه ، وما أراد لنا إلا ما أراد لروحه ، ليكون أدعى لهم إلى القبول ، وأبعث على الاستماع منه . ولو قال : فإنه عدوّ لكم ، لم يكن بتلك المثابة ؛ ولأنه دخل من باب من التعريض ، وقد يبلغ التعريض للمنصوح ما لا يبلغه التصريح ، لأنه يتأمّل فيه ، فربما قاده التأمل إلى التقبل ؛ ومنه ما يحكى عن الشافعي ، رضي اللّه عنه ، أن رجلا واجهه بشيء فقال :
لو كنت بحيث أنت ، لاحتجت إلى أدب .
2 - أسرار حروف العطف : وهنا موضع دقيق المسلك ، لطيف المرمى ، قلما ينتبه إليه أحد أو يتفطن إليه كاتب ، فإن أكثر الناس يضعون حروف العطف في غير مواضعها ، فيجرون ب « في » ما ينبغي له أن يجر ب « على » : كما أنهم يعطفون دون أن يتفطنوا إلى سر الحرف الذي عطف به الكلام ، فقد قال تعالى :
« وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ ، وَإِذا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ ، وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ »
فالأول عطفه بالواو التي هي لمطلق الجمع ، وتقديم الإطعام على الإسقاء ، والإسقاء على الإطعام ، جائز لولا مراعاة حسن النظم ، ثم عطف الثاني بالفاء لأن الشفاء يعقب المرض بلا زمان خال من أحدهما ، ثم عطف الثالث بثم لأن الإحياء يكون بعد الموت بزمان ولهذا جيء في عطفه بثم التي هي للتراخي .
3 - التنكيت : في قوله تعالى
وَإِذا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ
فإن السر في إضافة المرض إلى نفسه التأدب مع اللّه تعالى بتخصيصه بنسبة الشفاء الذي هو نعمة ظاهرة إليه تعالى ، إذ أسند إلى اللّه أفعال الخير كلها وأسند فعل الشر إلى نفسه ، وللإشارة إلى أن كثيرا من الأمراض تحدث بتفريط الإنسان في مأكله ومشربه وغير ذلك .