أوحت لذلك الفيلسوف الغربي أن يقول : لقد عجز العلم حتى اليوم أن يكشف حقيقة ذبابة . . وقد استلهم إيمانه بالقدرة القادرة المهيمنة على هذا الوجود ، من خلال دقة مخلوقات اللّه ، وعجز الإنسان وعلمه عن إدراك سر الحياة لدى أضعف الأحياء من مخلوقات اللّه ، وما أروع قوله تعالى في ختام هذه الآية
« ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ
.
ما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ »
وهكذا نجد أن المثل من جهة ، والحوار من جهة ثانية ، والقصة من جهة ثالثة ، والصور المشخصة ذات الحياة والحركة ، كلها من جملة العناصر المكونة لأسلوب القرآن الكريم وبلاغته وإعجازه .
2 - جدّة اختراع المعاني :
هو أن يخترع الشاعر أو الكاتب معنى لم يسبق إليه ، فقوله تعالى
« إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُباباً »
هي من أبلغ ما أنزل اللّه في تجهيل الكافرين وتقريعهم والاستخفاف بعقولهم ، لغرابة التمثيل الذي تضمن الإفراط في المبالغة مع كونها ملازمة للحق والواقع .
فقد اقتصر سبحانه على ذكر أضعف المخلوقات وأقلها سلبا لما تسلبه ، وتعجيز كل من دونه ، عن خلق مثله ، مع التضافر والاجتماع ، ثم عدل عن رتبة الخلق ، لما فيه من تعجيز ، إلى استنقاذ النزر القليل ، الذي يسلبه الذباب ، فقد تدرج في النزول على ما تقضيه خطة البلاغة في الترتيب .
ولجدّة الاختراع في المعاني ، لدى الشعراء والأدباء ، بحث طريف ومفيد غاية الفائدة . ولولا مخافة الخروج عن خطتنا في الإيجاز ، لعرضنا عليك أضغاثا من عيون اختراعات أبي تمام والمتنبي وابن الرومي والجاحظ وغيرهما كثير ، فإن كنت من فرسان هذا الميدان ، فعليك بدواوين هؤلاء .
[ سورة الحج ( 22 ) : الآيات 75 إلى 76 ]
اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلائِكَةِ رُسُلاً وَمِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ ( 75 ) يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ ( 76 )