« فَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ »
وفي هذه الآيات فن رفيع من فنون البديع ، وهو الجمع مع التقسيم . وهو أن يجمع المتكلم بين شيئين أو أكثر ، ثم يقسم ما جمع . وفي هذه الآيات رد على ما أورده من شبه ، حيث قالوا
« ما نَراكَ إِلَّا بَشَراً مِثْلَنا وَما نَراكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَراذِلُنا بادِيَ الرَّأْيِ وَما نَرى لَكُمْ عَلَيْنا مِنْ فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كاذِبِينَ »
فرد عليهم ردا يمكن إرجاعه إلى ما أوردوه من شبه ، فكأنه يقول : إن كان نفيكم الفضل عني متعلقا بفضل المال والجاه ، فأنا لم أدّعه ، ولم أقل لكم إن خزائن اللّه عندي حتى تنازعوني في ذلك وتنكروه .
الفوائد
1 - الكلمة الموحية :
ورد في هذه الآية قوله تعالى
أَ نُلْزِمُكُمُوها
وقد جاءت هذه الكلمة في سياق خطاب نوح عليه الصلاة والسلام إلى قومه ، وقد أعرضوا عن الهدى ، وصممّوا على رفض الهدى والإسلام ، لذا فإن نوحا عليه الصلاة والسلام أحس بالصعوبة الشديدة في إبلاغهم الهداية ، بل هي مستحيلة ، وكأنك ترغم إنسانا على شيء وهو كاره له نافر منه ، فجاءت كلمة ( أنلزمكموها ) بلفظها المديد أولا ، وقد حشر فيها الضميران الكاف ( وها ) ، وأشبعت حركة الميم التي هي ضمة فأصبحت واوا ثانيا ، وورود الاستفهام الاستنكاري في بدايتها ثالثا ، وجرس حروفها وإيقاعها رابعا ، لتتضافر هذه العوامل ، وترسم معنى الإكراه ومحاولة إبلاغ الشيء بصعوبة شديدة إلى من يرفضه ويأباه ، ولو وضعنا بديلا عنها أنلزمكم إياها لتلاشى ذلك الجرس والإيقاع الذي كان لها ، وضعفت فيها القوة التي كانت تؤديها ؛ فهذا سرّ من أسرار الإعجاز ، وهو أن كلام اللّه عز وجل - بتنسيقه وتأليفه وترتيبه واختياره - يتميز بروح قوية سارية تمنحه قوة وحيوية ، وتميزه عن كلام البشر ، فيغدو الفرق بعيدا بعيدا بين كلام الخالق والمخلوق ، كالفرق بين تمثال أصم جامد وبين بشر ناطق عاقل حيّ .