لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمانِكُمْ
التّحريم : 2 ؟
قلنا : لأنّ كفّارة اليمين لم تكن لأحد قبلنا ، بل هي لنا ممّا أكرم اللّه به هذه الأمّة ، بدليل قوله تعالى :
قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمانِكُمْ .
3 - سوّغ الماورديّ للمريض وذي الزّمانة الحنث في اليمين ، ولم يسوّغ ذلك في غيره . غير أنّه قاس هذا الحكم على أيّوب عليه السّلام أيضا ، كما يلوح من ظاهر كلامه ، وهو باطل ، لأنّ الحنث من وساوس الشّيطان ، والأنبياء لا تعتريهم الوساوس والشّياطين .
ثانيا : جاء الحنث في ( 2 ) بمعنى الذّنب والإثم أيضا كما في ( 1 ) ، وفيها بحوث :
1 - اختلف في المراد به ، فقال ابن عبّاس : « الشّرك باللّه » ، وقال الشّعبيّ : « اليمين الغموس » ، وقال مجاهد :
« الذّنب العظيم الّذي لا يتوبون منه » ، وقال الزّجّاج :
« الكفر بالبعث » .
واستدلّ الفخر الرّازيّ على قول ابن عبّاس بقوله تعالى :
إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ
لقمان : 13 . واستدلّ الواحديّ على قول الشّعبيّ بقوله :
وَكانُوا يَقُولُونَ أَ إِذا مِتْنا
الواقعة : 47 ، واستدلّ النّسفيّ عليه بقوله :
وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ
النّحل : 38 ، وهو دليل على الكفر بالبعث أيضا ، كما استدلّ بذلك الزّجّاج .
وروى البروسويّ عن بعض : أنّ المراد به الكذب ، واستدلّ بقوله :
ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا الضَّالُّونَ الْمُكَذِّبُونَ
الواقعة : 51 .
2 - قال الفخر الرّازيّ : « فيه مبالغات من وجوه » :
أحدها : قوله تعالى :
كانُوا يُصِرُّونَ
وهو آكد من قول القائل : إنّهم قبل ذلك أصرّوا ، لأنّ اجتماع لفظي الماضي والمستقبل يدلّ على الاستمرار ، لأنّ قولنا : فلان كان يحسن إلى النّاس ، يفيد كون ذلك عادة له .
ثانيها : لفظ الإصرار ، فإنّ الإصرار مداومة المعصية والغلول ، ولا يقال في الخير : أصرّ .
ثالثها : الحنت ، فإنّه فوق الذّنب ، فإنّ الحنث لا يكاد في اللّغة يقع على الصّغيرة ، والذّنب يقع عليها . وأمّا الحنث في اليمين فاستعملوه ، لأنّ نفس الكذب عند العقلاء قبيح ، فإنّ مصلحة العالم منوطة بالصّدق ، وإلّا لم يحصل لأحد بقول أحد ثقة ، فلا يبنى على كلامه مصالح ، ولا يجتنب عن مفاسد . . . » .
3 - وصف الحنث هنا بأنّه عظيم ، كما وصف الإثم به أيضا في قوله :
وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرى إِثْماً عَظِيماً
النّساء : 48 ، وما وصف لفظ آخر من نظائره بهذه الصّفة غيره ، وهذا ينبئ بقرب الإثم منه معنى .
ومن الملفت للنّظر أنّ الإثم وصف بأنّه كبير في قوله :
قُلْ فِيهِما إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنافِعُ لِلنَّاسِ
البقرة : 219 ، ووصف بأنّه مبين أيضا في مواضع ، منها قوله :
أَ تَأْخُذُونَهُ بُهْتاناً وَإِثْماً مُبِيناً
النّساء : 20 ، كما وصف لفظان آخران من نظائر الحنث والإثم بالكبر ، وهما :
الحوب في قوله :
إِنَّهُ كانَ حُوباً كَبِيراً
النّساء : 2 ، والخطء في قوله :
إِنَّ قَتْلَهُمْ كانَ خِطْأً كَبِيراً
الإسراء :
31 . وهذا يعني أنّهما - إضافة إلى الإثم - أقرب الألفاظ بهذا المعنى إلى الحنث . وهناك ألفاظ أخرى نظير للحنث لم توصف بوصف مّا ، نحو : الذّنب ، والجرم ، والخطيئة ، والحرج ، والجناح ، والإصر .