وفسّر البعض
الْحِنْثِ الْعَظِيمِ
بمعنى الشّرك ؛ لأنّه لا ذنب أعظم من الشّرك . قال تعالى :
إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ . . .
النّساء : 48 .
وفسّر ( الحنث ) بالكذب ، لأنّه أعظم الذّنوب ، ومفتاح المعاصي ، خصوصا حينما يكون الكذب تكذيبا للأنبياء عليهم السّلام والمعاد .
والظّاهر أنّ هذه جميعا تعتبر مصاديق للحنث العظيم . ( 17 : 434 )
الأصول اللّغويّة
1 - الأصل في هذه المادّة الحنث ، أي الإثم ؛ يقال :
فلان يتحنّث من كذا ، أي يتأثّم منه ، وبلغ الغلام الحنث :
الإدراك والبلوغ ؛ إذ تثبت عليه ذنوبه ، وتحسب له طاعته .
والحنث : الخلف في اليمين ؛ لأنّه ذنب ؛ يقال : حنث في يمينه حنثا وحنثا ، أي لم يبرّ فيها ، وأحنثه هو ، وعلى فلان يمين قد حنث فيها ، وعليه أحناث كثيرة ، والمحانث :
مواقع الحنث .
2 - وجاءت فيها ألفاظ من ( ح ن ف ) على الإبدال ، كقولهم : قد حنثت ، أي ملت إلى هواك عليّ ، وقد حنثت مع الحقّ على هواك ، وتحنّث : تعبّد واعتزل الأصنام ، وفلان يتحنّث : يتعبّد اللّه ؛ لأنّ الحنيف : المائل من خير إلى شرّ ، أو من شرّ إلى خير ، كما أنّ أصله الميل عند ابن فارس .
الاستعمال القرآنيّ
جاء منها كلمتان كلّ منهما مرّة : ( تحنث ) و ( الحنث ) في آيتين :
1 -
وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثاً فَاضْرِبْ بِهِ وَلا تَحْنَثْ . . .
ص : 44
2 -
وَكانُوا يُصِرُّونَ عَلَى الْحِنْثِ الْعَظِيمِ
الواقعة : 46
يلاحظ أوّلا : أنّ الحنث في ( 1 ) هو الإثم والذّنب كما في اللّغة ، وفيها بحوث :
1 - قال ابن العربيّ : « يدلّ على أحد وجهين : إمّا لأنّه لم يكن في شرعه كفّارة ، وإنّما كان البرّ أو الحنث .
والثّاني : أن يكون ما صدر منه نذرا لا يمينا ، وإذا كان النّذر معيّنا ، فلا كفّارة فيه عند مالك وأبي حنيفة » .
وردّه القرطبيّ قائلا : « قوله : إنّه لم يكن في شرعهم كفّارة ، ليس بصحيح ، فإنّ أيّوب عليه السّلام لمّا بقي في البلاء ثماني عشرة سنة - كما في حديث ابن شهاب - قال له صاحباه : لقد أذنبت ذنبا ما أظنّ أحدا بلغه !
فقال أيّوب عليه السّلام : ما أدري ما تقولان ؟ غير أنّ ربّي عزّ وجلّ يعلم أنّي كنت أمرّ على الرّجلين يتزاعمان ، فكلّ يحلف باللّه ، أو على النّفر يتزاعمون ، فأنقلب إلى أهلي ، فأكفّر عن أيمانهم إرادة ألّا يأثم أحد يذكره ولا يذكره إلّا بحقّ ، فنادى ربّه :
أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ
وذكر الحديث .
فقد أفادك هذا الحديث أنّ الكفّارة كانت من شرع أيّوب ، وأنّ من كفّر عن غيره بغير إذنه ، فقد قام بالواجب عنه ، وسقطت عنه الكفّارة » .
2 - قال البروسويّ : « فإن قيل : لم قال اللّه تعالى لأيّوب عليه السّلام : ( لا تحنث ) وقال لمحمّد صلّى اللّه عليه وسلّم :
قَدْ فَرَضَ اللَّهُ