الفخر الرّازيّ : ما الإصرار على الحنث العظيم ؟
نقول : الشّرك ، كما قال تعالى :
إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ
لقمان : 13 ، وفيها لطيفة وهي أنّه أشار في الآيات الثّلاث إلى الأصول الثّلاثة ، فقوله تعالى :
إِنَّهُمْ كانُوا قَبْلَ ذلِكَ مُتْرَفِينَ
الواقعة : 45 ، من حيث الاستعمال يدلّ على ذمّهم بإنكار الرّسل ؛ إذ المترف متكبّر بسبب الغنى فينكر الرّسالة ، والمترفون كانوا يقولون :
أَ بَشَراً مِنَّا واحِداً نَتَّبِعُهُ
القمر : 24 ، وقوله :
يُصِرُّونَ عَلَى الْحِنْثِ الْعَظِيمِ
إشارة إلى الشّرك ومخالفة التّوحيد ، وقوله تعالى :
وَكانُوا يَقُولُونَ أَ إِذا مِتْنا وَكُنَّا تُراباً
إشارة إلى إنكار الحشر والنّشر ، وقوله تعالى :
وَكانُوا يُصِرُّونَ عَلَى الْحِنْثِ الْعَظِيمِ
فيه مبالغات من وجوه :
أحدها : قوله تعالى :
كانُوا يُصِرُّونَ
وهو آكد من قول القائل : إنّهم قبل ذلك أصرّوا ؛ لأنّ اجتماع لفظي الماضي والمستقبل يدلّ على الاستمرار ؛ لأنّ قولنا : فلان كان يحسن إلى النّاس ، يفيد كون ذلك عادة له .
ثانيها : لفظ الإصرار ، فإنّ الإصرار مداومة المعصية والغلول ، ولا يقال في الخير : أصرّ .
ثالثها : الحنث ، فإنّه فوق الذّنب ، فإنّ الحنث لا يكاد في اللّغة يقع على الصّغيرة ، والذّنب يقع عليها ، وأمّا الحنث في اليمين فاستعملوه ، لأنّ نفس الكذب عند العقلاء قبيح ، فإنّ مصلحة العالم منوطة بالصّدق ، وإلّا لم يحصل لأحد بقول أحد ثقة ، فلا يبنى على كلامه مصالح ، ولا يجتنب عن مفاسد ، ثمّ إنّ الكذب لمّا وجد في كثير من النّاس لأغراض فاسدة ، أرادوا توكيد الأمر بضمّ شيء إليه بدفع توهّمه ، فضمّوا إليه الأيمان ولا شيء فوقها ، فإذا حنث لم يبق أمر يفيد الثّقة ، فيلزم منه فساد فوق فساد الزّنا والشّرب ، غير أنّ اليمين إذا كانت على أمر مستقبل ورأى الحالف غيره جوّز الشّرع الحنث ، ولم يجوّزه في الكبيرة كالزّنا والقتل ، لكثرة وقوع الأيمان وقلّة وقوع القتل . والّذي يدلّ على أنّ الحنث هو الكبيرة قولهم للبالغ : بلغ الحنث ، أي بلغ مبلغا بحيث يركب الكبيرة ، وقبله ما كان ينفي عنه الصّغيرة ؛ لأنّ الوليّ مأمور بالمعاقبة على إساءة الأدب وترك الصّلاة .
قوله تعالى : ( العظيم ) هذا يفيد أنّ المراد : الشّرك ، فإنّ هذه الأمور لا تجتمع في غيره . ( 29 : 171 )
نحوه الشّربينيّ . ( 4 : 189 )
ابن عربيّ : من الأقاويل الباطلة ، والعقائد الفاسدة ، الّتي استحقّوا بها العذاب المخلّد ، والعقاب المؤبّد .
( 2 : 593 )
نحوه القاسميّ . ( 16 : 5653 )
النّسفيّ : أي على الذّنب العظيم ، أو على الشّرك ؛ لأنّه نقض عهد الميثاق ، والحنث : نقض العهد المؤكّد باليمين ، أو الكفر بالبعث بدليل قوله :
وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ . . .
النّحل : 38 . ( 4 : 217 )
النّيسابوريّ : وهو الذّنب الكبير ، ووصفه بالعظم مبالغة على مبالغة ، . . . وخصّ جمع من المفسّرين فقالوا :
عنى به الشّرك . ( 27 : 80 )
ابن كثير : وهو الكفر باللّه ، وجعل الأوثان والأنداد أربابا من دون اللّه . ( 6 : 530 )
البروسويّ : [ نحو ابن عبّاس ، ثمّ قال : ]
وقال بعضهم : الحنث هنا الكذب ؛ لأنّهم كانوا