مقدّمة لها يتوسّل بها إليها . وأمّا اختيار الآخرة وترك الدّنيا من أصلها ، فإنّه - مضاف إلى عدم إمكانه بحقيقة معنى الكلمة - يوجب اختلال أمر الآخرة ، وينجرّ إلى تركها بالآخرة . فالحياة الدّنيا حياة منقطعة والحياة الآخرة حياة دائمة ، يتوسّل إلى سعادتها من طريق الدّنيا بالاكتساب ، فمن اختار الآخرة وأثبتها لزمه إثبات الدّنيا لمكان مقدّميّتها ، ومن اختار الدّنيا وجعلها غاية لزمه نفي الآخرة من أصلها ؛ لأنّها لو ثبتت ثبتت غاية ، وإذ لم يجعل غاية انتفت ، فليس بين يدي الإنسان إلّا خصلتان :
اختيار الآخرة على الدّنيا بجعل الآخرة غاية وإثبات الدّنيا معها للمقدّميّة ، واختيار الدّنيا على الآخرة بجعل الدّنيا غاية ونفي الآخرة من أصلها .
وإيضاح المقام أنّ الإنسان لا بغية له إلّا سعادة حياته وحبّه لها فطريّ ، وقد أوضحنا ذلك في مواضع متفرّقة فيما تقدّم ، والّذي يثبته كتاب اللّه من أمر الحياة أنّها دائمة غير منقطعة بالموت ، فلا محالة تنقسم بالنّظر إلى تخلّل الموت إلى حياتين : الحياة الدّنيا المؤجّلة بالموت ، والحياة الآخرة بعد الموت ، وهي تتفرّع في سعادتها وشقائها على الحياة الدّنيا ، وما يكتسبه الإنسان في الدّنيا من ناحية الأعمال الحيويّة من حسنة أو سيّئة ، ولا مفرّ للإنسان من هذه الأعمال ، لما عنده من حبّ الحياة الفطريّ .
وهذه الأعمال ، أعني السّنّة الّتي يستنّ بها الإنسان في حياته الدّنيا الكاسبة له التّقوى أو الفجور والحسنة أو السّيّئة ، هي الّتي تسمّى في كتاب اللّه دينا وسبيلا ، فلا مفرّ للإنسان من سنّة حسنة أو سيّئة ودين حقّ أو باطل .
ولمّا كان من سنّة اللّه سبحانه الجارية أن يهدي كلّ نوع من الأنواع إلى سعادته وكماله ، ومن كمال الإنسان وسعادته أن يعيش عيشة اجتماعيّة ويستنّ بسنّة حيويّة ، شرع اللّه سبحانه له دينا مبنيّا على فطرته الّتي فطر عليها ، وهو سبيل اللّه الّذي يسلكه ودينه الّذي يتديّن به ، فإن جرى على ما شرعته له الرّبوبيّة وهدته إليه الفطرة ، فقد سلك سبيل اللّه وابتغاه مستقيما ، وإن اتّبع الهوى وصدّ نفسه عن سبيل اللّه واشتغل بما يزيّنه له الشّيطان ، فقد ابتغى سبيل اللّه عوجا منحرفا .
امّا أنّه يبتغي سبيل اللّه ، فإنّ اللّه هو الّذي فطره على طلب السّبيل وابتغاء الصّراط ، ولا يهدي البتّة إلّا إلى ما يرتضيه وهو سبيل نفسه ، وأمّا أنّه منحرف ذو عوج فلأنّه لا يهدي إلى الحقّ ، وما ذا بعد الحقّ إلّا الضّلال ؟
والآيات القرآنيّة الدّالّة على هذا الّذي قدّمناه متكاثرة ، لا حاجة إلى إيرادها .
إذا عرفت هذا لاح لك أنّ قوله في تفسير الكافرين :
الَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ الْحَياةَ الدُّنْيا عَلَى الْآخِرَةِ
مفاده أنّهم يتعلّقون تمام التّعلّق بالحياة الدّنيا ، ويعرضون عن الآخرة بنفيها ، وهو الكفر بالمعاد المستلزم للكفر بالتّوحيد والنّبوّة . ( 12 : 13 )
فضل اللّه : بما تمثّله الحياة الدّنيا من القيم المادّيّة الّتي يخلد بها الإنسان إلى الأرض ، فلا يرتفع إلى الآفاق الرّوحيّة ، ولا يسمو إلى آفاق اللّه ، بل يظلّ في حالة انحطاط ، مع غرائزه وانفعالاته ، مقابل الآخرة الّتي تمثّل القيم الرّوحيّة والإنسانيّة الّتي تدعو الإنسان للتّجرّد من جانبه الغريزيّ ، وتوجّهه نحو السّموّ بآفاق فكره وروحه