أحدهما : أنّه ما كان ميّتا ، بل كان حيّا طريّا حكاه مكارم الشّيرازيّ . ولا يوافقه كونه غذاء لموسى وفتاه حيث قال موسى له في آية بعدها :
آتِنا غَداءَنا .
ثانيهما : أنّه بقي ميّتا حتّى سقط في البحر . واحتمله الطّباطبائيّ بحجّة أنّ الآيات غير صريحة في حياة الحوت بعد ما كان ميّتا ، بل ظاهر
نَسِيا حُوتَهُما ،
و
نَسِيتُ الْحُوتَ
أنّهما وضعاه في مكان من الصّخرة مشرف على البحر ، فسقط في البحر بمدّ ونحوه ، فغاب فيه وغار في أعماقه بنحو عجيب . وأيّده بما جاء في بعض الرّوايات أنّ العلامة لالتقاء موسى بالخضر افتقاد الحوت لا حياته ! !
وكأنّ فضل اللّه أراده بقوله : « وربّما يلاحظ البعض بأنّ الآية ليست ظاهرة في ذلك » أي في حياته بعد موته .
ثمّ ردّه « بأنّ الآية :
فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَباً ،
قد تكون دليلا على حياته بعد موته ، لأنّها تتحدّث عنه كما لو كان يتحرّك حركة اختياريّة في سلوكه الطّريق إلى البحر » .
وهو الحقّ الموافق للرّوايات . لاحظ « يونس » ، وموادّ الألفاظ الّتي جاءت في قصّته منها « مجمع البحرين » .
6 - ولعلّك تقول : أما كان الأوفق أن يقول : ( نسيا حوتا لهما ) ، كما قال :
يَطُوفُ عَلَيْهِمْ غِلْمانٌ لَهُمْ
الطّور : 24 ، ولم يقل : ( ويطوف عليهم غلمانهم ) ؟
نقول : كلّا ليس من الأوفق ذلك ، لأنّه جاء على أصله ، وهو اختصاص الحوت بهما كما تفيده الإضافة ، ولو قطع عنها لتعيّنت الملكيّة عليهما معا بلام الملك ، وهو خلاف الحال ، لأنّ الفتى كان تابعا لموسى ، والملكيّة تحقّقت لموسى دون فتاه ، فتنتفي التّثنية .
وأمّا قوله :
غِلْمانٌ لَهُمْ
فهو ليس اختصاصا ولا ملكا ، بل هؤلاء ملائكة من أجمل ما يكون
كَأَنَّهُمْ لُؤْلُؤٌ مَكْنُونٌ ،
جعلهم اللّه خدما وفرحا لأهل الجنّة ، يطوفون عليهم ويهبونهم بجمالهم فرحا وبجهودهم حاجة ، كما قال :
وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ إِذا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤاً مَنْثُوراً
الدّهر : 19 ، فهذا من قبيل :
وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً
النّحل : 72 ، والجمع والتّنكير مع اللّام أو بدونها
غِلْمانٌ لَهُمْ ،
و ( لكم أزواجا ) ،
وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ *
في أمثال هذا السّياق تعظيم للنّعمة وتكبير للموهبة .
رابعا : جاءت ( 5 ) في سورة الأعراف بشأن حرمة الصّيد يوم السّبت على بني إسرائيل واحتيالهم في ذلك ، وكانت الحيتان كسبت تجربة أو بإلهام اللّه إيّاهنّ - وهو الحقّ - أنّ القوم لا يصيدونها يوم السّبت ، فتأتيهم في هذا اليوم ، ولا تأتيهم في سائر الأيّام فاحتالوا في صيدها - كما حكى الطّبرسيّ ( 2 : 492 ) - بإلقاء السّمكة في الماء يوم السّبت ، ولا يخرجونها في هذا اليوم بل في غيره من الأيّام ، أو كانوا يتّخذون حياضا فيسوقون الحيتان إليها يوم السّبت ، ويصيدونها في غيره . وفيها بحثان :
1 - حيتان : جمع حوت . أبدلت الواو ياء لسكونها وانكسار ما قبلها ، وهي جمع الكثرة ، وجمع القلّة :
أحوات .
2 - أضيفت « حيتان » إلى ضمير « هم » العائد على أهل القرية ، وعلّة الإضافة - كما قال أبو السّعود - « للإشعار باختصاصها بهم ، لاستقلالها بما لا يكاد يوجد