الفخر الرّازيّ : إن قيل : هذا الكلام يوجب الإشكال من وجهين :
الأوّل : أنّ قوله :
اللَّهُمَّ إِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ أَوِ ائْتِنا بِعَذابٍ أَلِيمٍ
حكاه اللّه عن الكفّار ، وكان هذا كلام الكفّار ، وهو من جنس نظم القرآن ، فقد حصلت المعارضة في هذا القدر . وأيضا حكى عنهم أنّهم قالوا في سورة بني إسرائيل :
وَقالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعاً
الإسراء : 90 ، وذلك أيضا كلام الكفّار فقد حصل من كلامهم ما يشبه نظم القرآن ومعارضته ؛ وذلك يدلّ على حصول المعارضة .
الثّاني : أنّ كفّار قريش كانوا معترفين بوجود الإله وقدرته وحكمته ، وكانوا قد سمعوا التّهديد الكثير من محمّد عليه الصّلاة والسّلام في نزول العذاب ، فلو كان نزول القرآن معجزا لعرفوا كونه معجزا ، لأنّهم أرباب الفصاحة والبلاغة ، ولو عرفوا ذلك لكان أقلّ الأحوال أن يصيروا شاكّين في نبوّة محمّد عليه الصّلاة والسّلام ، ولو كانوا كذلك لما أقدموا على قولهم :
اللَّهُمَّ إِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ
لأنّ المتوقّف الشّاكّ لا يتجاسر على مثل هذه المبالغة ؛ وحيث أتوا بهذه المبالغة ، علمنا أنّه ما لاح لهم في القرآن وجه من الوجوه المعجزة .
والجواب عن الأوّل : أنّ الإتيان بهذا القدر من الكلام لا يكفي في حصول المعارضة ، لأنّ هذا المقدار كلام قليل لا يظهر فيه وجوه الفصاحة والبلاغة ، وهذا الجواب لا يتمشّى إلّا إذا قلنا : التّحدّي ما وقع بجميع السّور ، وإنّما وقع بالسّورة الطّويلة الّتي يظهر فيها قوّة الكلام .
والجواب عن الثّاني : هب أنّه لم يظهر لهم الوجه في كون القرآن معجزا إلّا أنّه لمّا كان معجزا في نفسه ، فسواء عرفوا ذلك الوجه أو لم يعرفوا ، فإنّه لا يتفاوت الحال فيه . ( 15 : 157 )
البيضاويّ : والمعنى إن كان هذا القرآن حقّا منزلا فأمطر الحجارة علينا ، عقوبة على إنكاره ، أو ائتنا بعذاب أليم سواه ، والمراد منه : التّهكّم وإظهار اليقين والجزم التّامّ على كونه باطلا . وقرئ ( الحقّ ) بالرّفع على أنّ ( هو ) مبتدأ غير فصل .
وفائدة التّعريف فيه الدّلالة على أنّ المعلّق به كونه حقّا بالوجه الّذي يدّعيه النّبيّ وهو تنزيله ، لا الحقّ مطلقا بتجويزهم أن يكون مطابقا للواقع غير منزل ، كأساطير الأوّلين . ( 1 : 392 )
نحوه أبو السّعود ( 3 : 94 ) ، والبروسويّ ( 3 : 341 ) ، والقاسميّ ( 8 : 2985 ) .
النّيسابوريّ : وهذا أسلوب من العناد بليغ ، لأنّ قوله : ( هو الحقّ ) بالفصل وتعريف الخبر تهكّم بمن يقول على سبيل التّخصيص والتّعيين : هذا هو الحقّ .
( 9 : 149 )
أبو حيّان : والإشارة في قوله :
إِنْ كانَ هذا
إلى القرآن أو ما جاء به الرّسول صلّى اللّه عليه وسلّم من التّوحيد وغيره ، أو نبوّة محمّد صلّى اللّه عليه وسلّم من بين سائر قريش ، أقوال .