السّماوات والأرض ملابسة له ، فعقّب بقوله :
وَيَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ قَوْلُهُ الْحَقُّ .
[ إلى أن قال : ]
والمعنى أنّه أنشأ خلق السّماوات والأرض بالحقّ ، وأنّه يعيد الخلق الّذي بدأه بقول حقّ ، فلا يخلو شيء من تكوينه الأوّل ولا من تكوينه الثّاني عن الحقّ ، ويتضمّن أنّه قول مستقبل ، وهو الخلق الثّاني المقابل للخلق الأوّل ، ولذلك أتى بكلمة ( يوم ) للإشارة إلى أنّه تكوين خاصّ مقدّر له يوم معيّن .
وفي قوله :
قَوْلُهُ الْحَقُّ
صيغة قصر للمبالغة ، أي هو الحقّ الكامل ، لأنّ أقوال غيره وإن كان فيها كثير من الخطأ وما كان فيها غير معرض للخطإ ، فهو من وحي اللّه أو من نعمته بالعقل والإصابة ، فلذلك اعتداد بأنّه راجع إلى فضل اللّه . ونظير هذا قول النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم في دعائه :
« قولك الحقّ ووعدك الحقّ » . ( 6 : 166 )
مغنيّة : ( الحقّ ) هنا إشارة إلى أنّ للكون قوانين تحكمه ، وسننا يسير عليها باطّراد ، تحول دون الفوضى الّتي لا يستقيم معها شيء على الإطلاق . وفي هذا دلالة بالغة على وجود من يدبرّ الأمر ، ويجزي كلّ نفس بما كسبت .
وَيَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ قَوْلُهُ الْحَقُّ
في الكلام حذف وتقديم وتأخير ، وأصله هكذا : وقوله الحقّ يوم يقول للشّيء كن فيكون ، ومعناه أنّ قول اللّه واقع لا محالة ، ويظهر ذلك جليّا واضحا للعيان يوم يقول للشّيء كن فيكون ، سواء أقال هذا القول يوم بدأ الخلق ، أم يوم يعيده ، وبكلمة : أنّ قول اللّه عين فعله في إيجاد الشّيء من لا شيء ، وفي إعادته إلى ما كان عليه بعد انحلاله وتفرّق أجزائه . ( 3 : 210 )
مكارم الشّيرازيّ : المقصود من ( الحقّ ) في الآية هو الأهداف والنّتائج والمنافع والحكم ، أي أنّ كلّ مخلوق قد خلق لهدف وغاية ومصلحة ، هذه الآية تشبه الموضوع الّذي نتناوله في الآية : 27 ، من سورة ص الّتي جاء فيها :
وَما خَلَقْنَا السَّماءَ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما باطِلًا . . .
ثمّ يضيف : إنّ ما يقوله اللّه هو الحقّ ، أي أنّه مثلما كان مبدأ الخلق ذا أهداف ونتايج ومصالح ، كذلك سيكون يوم القيامة :
قَوْلُهُ الْحَقُّ .
( 4 : 318 )
فضل اللّه : فليس فيها أيّ عبث في التّكوين ، فكلّ شيء خاضع لحكمة ، وكلّ ظاهرة منطلقة من قانون ، فلا ينحرف أيّ شيء فيهما عن مداره ، ولا يخرج عن مواقعه ، وبذلك يحقّق الوجود غايته الّتي جعلها اللّه له ، فلا بدّ من أن تخضع الأشياء كلّها ، بما فيها الإنسان ، للحقّ .
وَيَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ
في ما يمثّله ذلك من خضوع الوجود لإرادته ، سواء في ذلك يوم التّكوين ، أو يوم القيامة وهذا هو
قَوْلُهُ الْحَقُّ .
( 9 : 161 )
15 -
أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذابَ الْهُونِ بِما كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ . . .
الأنعام : 93
أبو حيّان : القول على اللّه غير الحقّ يشمل كلّ نوع من الكفر ، ويدخل فيه دخولا أولويّا من تقدّم ذكره من