انْظُرْنا
البقرة : 104 ، وهم لقلّة جدارتهم بفهم الشّرائع قد توهّموا أنّ في الأمر بذبح بقرة دون بيان صفاتها تقصيرا ، كأنّهم ظنّوا الأمر بالذبح كالأمر بالشّراء ، فجعلوا يستوصفونها بجميع الصّفات ، واستكملوا موسى لمّا بيّن لهم الصّفات الّتي تختلف بها أغراض النّاس في الكسب للبقر ، ظنّا منهم أنّ في علم النّبيّ بهذه الأغراض الدنيويّة كمالا فيه ، فلذا مدحوه بعد البيان بقولهم :
الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ
كما يقول الممتحن للتّلميذ بعد جمع صور السّؤال : الآن أصبت الجواب .
ولعلّهم كانوا لا يفرّقون بين الوصف الطّرديّ وغيره في التّشريع ، فليحذر المسلمون أن يقعوا في فهم الدّين على شيء ممّا وقع فيه أولئك ، وذمّوا لأجله .
( 1 : 538 )
فضل اللّه : فإنّ هذه الأوصاف المتعدّدة تضعنا في موقع الوضوح الّذي لا مجال فيه للحيرة والاشتباه ، ولم يملكوا سؤالا جديدا . ( 2 : 87 )
5 -
وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقاً لِما مَعَهُمْ .
البقرة : 91
ابن عبّاس : يعني القرآن . ( 14 )
مثله الثّعلبيّ ( 1 : 236 ) ، والماورديّ ( 1 : 159 ) ، والطّوسيّ ( 1 : 351 ) ، والبغويّ ( 1 : 143 ) ، وابن عطيّة ( 1 : 179 ) ، والطّبرسيّ ( 1 : 161 ) .
الطّبريّ : أي ما وراء الكتاب الّذي أنزل عليهم من الكتب الّتي أنزلها اللّه إلى أنبيائه الحقّ ، وإنّما يعني بذلك تعالى ذكره القرآن الّذي أنزله إلى محمد صلّى اللّه عليه وسلّم . ( 1 : 419 )
الفخر الرّازيّ : أمّا قوله تعالى :
وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقاً لِما مَعَهُمْ
فهو كالإشارة إلى ما يدلّ على وجوب الإيمان بمحمّد صلّى اللّه عليه وسلّم ، وبيانه من وجهين :
الأوّل : ما دلّ عليه قوله تعالى :
وَهُوَ الْحَقُّ
أنّه لمّا ثبتت نبوّة محمّد صلّى اللّه عليه وسلّم بالمعجزات الّتي ظهرت عليه ، ثمّ إنّه عليه الصّلاة والسّلام أخبر أنّ هذا القرآن منزّل من عند اللّه تعالى وأنّه أمر المكلّفين بالإيمان به ، وكان الإيمان به واجبا لا محالة ، وعند هذا يظهر أنّ الإيمان ببعض الأنبياء وبعض الكتب مع الكفر ببعض الأنبياء وبعض الكتب محال .
الثّاني : ما دلّ عليه قوله :
مُصَدِّقاً لِما مَعَهُمْ
وتقريره من وجهين :
الأوّل : أنّ محمّدا صلوات اللّه وسلامه عليه لم يتعلّم علما ولا استفاد من أستاذ ، فلمّا أتى بالحكايات والقصص موافقة لما في التّوراة من غير تفاوت أصلا ، علمنا أنّه عليه الصّلاة والسّلام إنّما استفادها من الوحي والتّنزيل .
الثّاني : أنّ القرآن يدلّ على نبوّة محمّد صلّى اللّه عليه وسلّم ، فلمّا أخبر اللّه تعالى عنه أنّه مصدّق للتّوراة ، وجب اشتمال التّوراة على الإخبار عن نبوّته ، وإلّا لم يكن القرآن مصدّقا للتّوراة بل مكذّبا لها ، وإذا كانت التّوراة مشتملة على نبوّة محمّد عليه الصّلاة والسّلام وهم قد اعترفوا بوجوب الإيمان بالتّوراة ، لزمهم من هذه الجهة وجوب الإيمان بالقرآن وبنبوّة محمّد عليه الصّلاة والسّلام . ( 3 : 185 )