أو أراد أن يشتغل العلماء بردّ المتشابه إلى المحكم بالنّظر والاستدلال والبحث والاجتهاد فيثابون على هذه العبادة ، ولو كان كلّه ظاهرا جليّا لاستوى فيه العلماء والجهّال ، ولماتت الخواطر بعدم البحث والاستنباط ، فإنّ نار الفكر إنّما تقدح بزناد المشكلات ، ولهذا قال بعض الحكماء : عيب الغنى أنّه يورث البلادة ويميت الخاطر ، وفضيلة الفقر أنّه يبعث على إعمال الفكر واستنباط الحيل في الكسب . ( مسائل الرّازيّ : 26 )
القرطبيّ : اختلف العلماء في المحكمات والمتشابهات على أقوال عديدة . [ ثمّ نقل قول جابر بن عبد اللّه ، وقال : ]
قلت : هذا أحسن ما قيل في المتشابه . . .
وقد قيل : القرآن كلّه محكم لقوله تعالى :
كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ
هود : 1 . وقيل : كلّه متشابه لقوله :
كِتاباً مُتَشابِهاً .
قلت : وليس هذا من معنى الآية في شيء ، فإنّ قوله تعالى :
كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ ،
أي في النّظم والرّصف ، وإنّه حقّ من عند اللّه . ومعنى
كِتاباً مُتَشابِهاً ،
أي يشبه بعضه بعضا . ويصدّق بعضه بعضا ، وليس المراد بقوله :
آياتٌ مُحْكَماتٌ . . .
وَأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ
آل عمران : 7 ، هذا المعنى ، وإنّما المتشابه في هذه الآية من باب الاحتمال والاشتباه من قوله :
إِنَّ الْبَقَرَ تَشابَهَ عَلَيْنا ،
أي التبس علينا ، أي يحتمل أنواعا كثيرة من البقر . والمراد بالمحكم : ما في مقابلة هذا ، وهو ما لا التباس فيه ، ولا يحتمل إلّا وجها واحدا .
وقيل : إنّ المتشابه : ما يحتمل وجوها ، ثمّ إذا ردّت الوجوه إلى وجه واحد وأبطل الباقي صار المتشابه محكما . فالمحكم أبدا أصل تردّ إليه الفروع ، والمتشابه هو الفرع . [ ثمّ نقل قول النّحّاس وأضاف : ]
قلت : ما قاله النّحّاس يبيّن ما اختاره ابن عطيّة ، وهو الجاري على وضع اللّسان ، وذلك أنّ المحكم اسم مفعول من أحكم ، والإحكام : الإتقان ، ولا شكّ في أنّ ما كان واضح المعنى لا إشكال فيه ولا تردّد ، إنّما يكون كذلك لوضوح مفردات كلماته . وإتقان تركيبها ، ومتى اختلّ أحد الأمرين جاء التّشابه والإشكال ، واللّه أعلم .
( 4 : 9 )
البيضاويّ : أحكمت عبارتها بأن حفظت من الإجمال والاحتمال . . .
وَأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ
محتملات ، لا يتّضح مقصودها لإجمال أو مخالفة ظاهر إلّا بالفحص والنّظر ، ليظهر فيها فضل العلماء ، ويزداد حرصهم على أن يجتهدوا في تدبّرها ، وتحصيل العلوم المتوقّف عليها استنباط المراد بها ، فينالوا بها وبإتعاب القرائح في استخراج معانيها ، والتّوفيق بينها وبين المحكمات ، معالي الدّرجات .
وأمّا قوله تعالى :
الر كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ
فمعناه أنّها حفظت من فساد المعنى وركاكة اللّفظ ، وقوله :
كِتاباً مُتَشابِهاً
فمعناه أنّه يشبه بعضه بعضا في صحّة المعنى وجزالة اللّفظ . ( 1 : 149 )
النّسفىّ : أحكمت عبارتها بأن حفظت من الاحتمال والاشتباه ،
هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ :
أصل الكتاب ، تحمل