ابن كثير : يخبر تعالى أنّ في القرآن آيات محكمات هنّ أمّ الكتاب ، أي بيّنات واضحات الدّلالة لا التباس فيها على أحد ، ومنه آيات أخر فيها اشتباه في الدّلالة على كثير من النّاس أو بعضهم ، فمن ردّ ما اشتبه إلى الواضح منه ، وحكّم محكمه على متشابهه عنده فقد اهتدى ، ومن عكس انعكس ، ولهذا قال تعالى :
هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ ،
أي أصله الّذي يرجع إليه عند الاشتباه .
وَأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ ،
أي تحتمل دلالتها موافقة المحكم ، وقد تحتمل شيئا آخر من حيث اللّفظ والتّركيب ، لا من حيث المراد . وقد اختلفوا في المحكم والمتشابه . [ ثمّ نقل الأقوال وأضاف : ]
وأحسن ما قيل فيه : هو الّذي قدمّنا ، وهو الّذي نصّ عليه محمّد بن إسحاق بن يسار رحمه اللّه حيث قال :
مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ
فهنّ حجّة الرّبّ وعصمة العباد ، ودفع الخصوم الباطل ، ليس لهنّ تصريف ولا تحريف عمّا وضعن عليه . قال : والمتشابهات في الصّدق ليس لهنّ تصريف وتحريف وتأويل . ابتلى اللّه فيهنّ العباد ، كما ابتلاهم في الحلال والحرام ، ألّا يصرفن إلى الباطل ، ولا يحرفن عن الحقّ . ( 2 : 5 )
أبو السّعود :
مُحْكَماتٌ
صفة
آياتٌ ،
أي قطعيّة الدّلالة على المعنى المراد ، محكمة العبارة ، محفوظة من الاحتمال والاشتباه .
هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ ،
أي أصل فيه وعمدة ، يردّ إليها غيرها . فالمراد ب ( الكتاب ) : كلّه .
والإضافة بمعنى « في » كما في واحد العشرة لا بمعنى اللّام ، فإنّ ذلك يؤدّي إلى كون الكتاب عبارة عمّا عدا المحكمات . والجملة إمّا صفة لما قبلها أو مستأنفة . [ ثمّ بحث في « الأمّ » إلى أن قال : ]
مُتَشابِهاتٌ
صفة ل ( اخر ) ، وفي الحقيقة صفة للمحذوف ، أي محتملات لمعان متشابهة ، لا يمتاز بعضها عن بعض في استحقاق الإرادة بها ، ولا يتّضح الأمر إلّا بالنّظر الدّقيق والتّأمّل الأنيق ، فالتّشابه في الحقيقة وصف لتلك المعاني ، وصف به الآيات على طريقة وصف الدّالّ بوصف المدلول .
وقيل : لمّا كان من شأن الأمور المتشابهة أن يعجز العقل عن التّمييز بينها ، سمّي كلّ ما لا يهتدي إليه العقل متشابها ، وإن لم يكن ذلك بسبب التّشابه ، كما أنّ المشكل في الأصل ما دخل في أشكاله وأمثاله ، ولم يعلم بعينه ، ثمّ أطلق على كلّ غامض ، وإن لم يكن غموضه من تلك الجهة .
وإنّما جعل ذلك كذلك ليظهر فضل العلماء ، ويزداد حرصهم على الاجتهاد في تدبّرها ، وتحصيل العلوم الّتي نيط بها استنباط ما أريد بها من الأحكام الحقّة ، فينالوا بها - وبإتعاب القرائح في استخراج مقاصدها الرّائقة ومعانيها اللّائقة - المدارج العالية ، ويعرجوا بالتّوفيق بينها وبين المحكمات من اليقين والاطمئنان إلى المعارج القاصية .
وأمّا قوله عزّ وجلّ :
الر كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ
هود : 1 ، فمعناه أنّها حفظت من اعتراء الخلل أو من النّسخ ، أو أيّدت بالحجج القاطعة الدّالّة على حقّيّتها ، أو جعلت حكيمة لا نطوائها على جلائل الحكم البالغة