يَسْئَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْساها
الأعراف : 187 .
المسألة الرّابعة : في الفوائد الّتي لأجلها جعل بعض القرآن محكما وبعضه متشابها .
اعلم أنّ من الملاحدة من طعن في القرآن ، لأجل اشتماله على المتشابهات ، وقال : إنّكم تقولون إنّ تكاليف الخلق مرتبطة بهذا القرآن إلى قيام السّاعة ، ثمّ إنّا نراه بحيث يتمسّك به كلّ صاحب مذهب على مذهبه ، فالجبريّ يتمسّك بآيات الجبر ، كقوله تعالى :
وَجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذانِهِمْ وَقْراً
الأنعام :
25 ، والقدريّ يقول : بل هذا مذهب الكفّار ، بدليل أنّه تعالى حكى ذلك عن الكفّار في معرض الذّمّ لهم في قوله :
وَقالُوا قُلُوبُنا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونا إِلَيْهِ وَفِي آذانِنا وَقْرٌ
فصّلت : 5 ، وفي موضع آخر :
وَقالُوا قُلُوبُنا غُلْفٌ
البقرة : 88 . وأيضا مثبت الرّؤية يتمسّك بقوله :
وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ * إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ
القيمة : 22 ، 23 ، والنّافي يتمسّك بقوله :
لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ
الأنعام : 103 . ومثبت الجهة يتمسّك بقوله :
يَخافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ
النّحل : 50 ، وبقوله :
الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى
طه : 5 ، والنّافي يتمسّك بقوله :
لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ
الشّورى : 11 . ثمّ إنّ كلّ واحد يسمّي الآيات الموافقة لمذهبه : محكمة ، والآيات المخالفة لمذهبه :
متشابهة ، وربّما آل الأمر في ترجيح بعضها على بعض إلى ترجيحات خفيّة ، ووجوه ضعيفة ، فكيف يليق بالحكيم أن يجعل الكتاب الّذي هو المرجوع إليه في كلّ الدّين إلى قيام السّاعة هكذا ؟ أليس أنّه لو جعله ظاهرا جليّا نقيّا عن هذه المتشابهات كان أقرب إلى حصول الغرض ؟
واعلم أنّ العلماء ذكروا في فوائد المتشابهات وجوها :
الوجه الأوّل : أنّه متى كانت المتشابهات موجودة ، كان الوصول إلى الحقّ أصعب وأشقّ ، وزيادة المشقّة توجب مزيد الثّواب ، قال اللّه تعالى :
أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ
آل عمران : 142 .
الوجه الثّاني : لو كان القرآن محكما بالكلّيّة لما كان مطابقا إلّا لمذهب واحد ، وكان تصريحه مبطلا لكلّ ما سوى ذلك المذهب ، وذلك ممّا ينفّر أرباب المذاهب عن قبوله وعن النّظر فيه ، فالانتفاع به إنّما حصل لما كان مشتملا على المحكم وعلى المتشابه ، فحينئذ يطمع صاحب كلّ مذهب أن يجد فيه ما يقوّي مذهبه ، ويؤثر مقالته ، فحينئذ ينظر فيه جميع أرباب المذاهب ، ويجتهد في التّأمّل فيه كلّ صاحب مذهب ، فإذا بالغوا في ذلك صارت المحكمات مفسّرة للمتشابهات ، فبهذا الطّريق يتخلّص المبطل عن باطله ، ويصل إلى الحقّ .
الوجه الثّالث : أنّ القرآن إذا كان مشتملا على المحكم والمتشابه ، افتقر النّاظر فيه إلى الاستعانة بدليل العقل ، وحينئذ يتخلّص عن ظلمة التّقليد ، ويصل إلى ضياء الاستدلال والبيّنة ، أمّا لو كان كلّه محكما لم يفتقر إلى التّمسّك بالدّلائل العقليّة ، فحينئذ كان يبقى في الجهل والتّقليد .
الوجه الرّابع : لمّا كان القرآن مشتملا على المحكم