فقد حصل الإحكام .
وثالثها : أنّ ألفاظ هذه الآيات بلغت في الفصاحة والجزالة إلى حيث لا تقبل المعارضة ، وهذا أيضا مشعر بالقوّة والإحكام .
ورابعها : أنّ العلوم الدّينيّة إمّا نظريّة وإمّا عمليّة . أمّا النّظريّة فهي معرفة الإله تعالى ومعرفة الملائكة والكتب والرّسل واليوم الآخر ، وهذا الكتاب مشتمل على شرائف هذه العلوم ولطائفها .
وأمّا العمليّة فهي إمّا أن تكون عبارة عن تهذيب الأعمال الظّاهرة وهو الفقه ، أو عن تهذيب الأحوال الباطنة وهي علم التّصفية ورياضة النّفس . ولا نجد كتابا في العالم يساوي هذا الكتاب في هذه المطالب ، فثبت أنّ هذا الكتاب مشتمل على أشرف المطالب الرّوحانيّة وأعلى المباحث الإلهيّة ، فكان كتابا محكما غير قابل للنّقض والهدم . ( 17 : 178 )
نحوه الشّربينيّ . ( 2 : 43 )
القرطبيّ :
أُحْكِمَتْ آياتُهُ
في موضع رفع نعت ل ( كتاب ) . وأحسن ما قيل في معنى :
أُحْكِمَتْ آياتُهُ
قول قتادة : أي جعلت محكمة كلّها لا خلل فيها ولا باطل .
والإحكام : منع القول من الفساد ، أي نظمت نظما محكما ، لا يلحقها تناقض ولا خلل . وقال ابن عبّاس :
أي لم ينسخها كتاب ، بخلاف التّوراة والإنجيل ، وعلى هذا فالمعنى أحكم بعض آياته بأن جعل ناسخا غير منسوخ ، وقد تقدّم القول فيه . وقد يقع اسم الجنس على النّوع ، فيقال : أكلت طعام زيد ، أي بعض طعامه .
وقال الحسن وأبو العالية :
أُحْكِمَتْ آياتُهُ
بالأمر والنّهي ، ثمّ فصّلت بالوعد والوعيد والثّواب والعقاب .
وقال قتادة : أحكمها اللّه من الباطل ، ثمّ فصّلها بالحلال والحرام . مجاهد : أحكمت جملة ، ثمّ بيّنت بذكر آية آية بجميع ما يحتاج إليه من الدّليل على التّوحيد والنّبوّة والبعث وغيرها . وقيل : جمعت في اللّوح المحفوظ ثمّ فصّلت في التّنزيل . وقيل : فصّلت أنزلت نجما نجما لتتدبّر . وقرأ عكرمة ( فصلت ) مخفّفا ، أي حكمت بالحقّ . ( 9 : 2 )
أبو السّعود :
أُحْكِمَتْ آياتُهُ
نظمت نظما متقنا لا يعتريه خلل بوجه من الوجوه ، أو جعلت حكيمة لا نطوائها على جلائل الحكم البالغة ودقائقها ، أو منعت من النّسخ بمعنى التّغيير مطلقا ، أو أيّدت بالحجج القاطعة الدّالّة على كونها من عند اللّه عزّ وجلّ ، أو على ثبوت مدلولاتها . فالمراد بالآيات جميعها أو على حقّيّة ما تشتمل عليه من الأحكام الشّرعيّة . فالمراد بها بعضها المشتمل عليها ، كما إذا فسّر الإحكام بالمنع من النّسخ ، بمعنى تبديل الحكم الشّرعيّ خاصّة .
وأمّا تفسيره بالمنع من الفساد أخذا من قولهم :
أحكمت الدّابّة ، إذا وضعت عليها الحكمة لتمنعها من الجماح ، ففيه إيهام ما لا يكاد يليق بشأن الآيات الكريمة من التّداعي إلى الفساد لولا المانع . وفي إسناد الإحكام - على الوجوه المذكورة إلى آيات الكتاب دون نفسه لا سيّما على الوجوه الشّاملة لكلّ آية منه - من حسن الموقع ، والدّلالة على كونه في أقصى غاية منه ،