ما لا يخفى . ( 3 : 280 )
نحوه البروسويّ . ( 4 : 90 )
الآلوسيّ :
أُحْكِمَتْ آياتُهُ
أي نظمت نظما محكما ، لا يطرأ عليه اختلال ، فلا يكون فيه تناقض أو مخالفة للواقع والحكمة ، أو شيء ممّا يخلّ بفصاحته وبلاغته ، فالإحكام مستعار من إحكام البناء بمعنى إتقانه ، أو منعت من النّسخ لبعضها أو لكلّها بكتاب آخر ، كما وقع للكتب السّالفة . فالإحكام من أحكمه ، إذا منعه .
ويقال : أحكمت السّفيه ، إذا منعته من السّفاهة .
وقيل : المراد منعت من الفساد أخذا من أحكمت الدّابّة ، إذا جعلت في فمها الحكمة ، وهي حديدة تجعل في فم الدّابّة ، تمنعها من الجماح ، فكأنّ ما فيها من بيان المبدإ والمعاد بمنزلة دابّة منعها الدّلائل من الجماح . ففي الكلام استعارة تمثيليّة أو مكنيّة .
وتعقّب بأنّ تشبيهها بالدّابّة مستهجن لا داعي إليه ، ولعلّ الذّوق يفرّق بين ذلك وبين تشبيهها بالجمل الأنوف الوارد في بعض الآثار ، لا نقيادها مع المتأوّلين لكثرة وجوه احتمالاتها الموافقة لأغراضهم .
واعترض بعضهم على إرادة المنع من الفساد ، بأنّ فيه إيهام ما لا يكاد يليق بشأن الآيات الكريمة من التّداعي إلى الفساد لولا المانع ، فالأوّل إذ يراد معنى المنع أن يراد المنع من النّسخ ، ويراد من الكتاب القرآن وعدم نسخه كلّا أو بعضا ، على حسب ما أشرنا إليه ، وكون ذلك خلاف الظّاهر في حيّز المنع .
وادّعى بعضهم أنّ المراد بالآيات آيات هذه السّورة وكلّها محكمة غير منسوخة بشيء أصلا . وروي ذلك عن ابن زيد . وخولف فيه ، وادّعي أنّ فيها من المنسوخ أربع آيات : قوله سبحانه :
إِنَّما أَنْتَ نَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ
وَقُلْ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ إِنَّا عامِلُونَ
هود : 121 ، والّتي تليها ، ونسخت جميعا بآية السّيف :
مَنْ كانَ يُرِيدُ الْحَياةَ الدُّنْيا وَزِينَتَها
الآية ، هود : 15 ، ونسخت بقوله سبحانه :
مَنْ كانَ يُرِيدُ الْعاجِلَةَ عَجَّلْنا لَهُ فِيها ما نَشاءُ لِمَنْ نُرِيدُ
الإسراء : 18 ، ولا يخلو عن نظر . ويجوز أن يكون المعنى منعت من الشّبه بالحجج الباهرة ، وأيّدت بالأدلّة الظّاهرة ، أو جعلت حكيمة ، أي ذات حكمة لاشتمالها على أصول العقائد والأعمال الصّالحة والنصائح والحكم ، والفعل على هذا منقول من حكم بالضّمّ إذا صار حكيما .
وفي إسناد الإحكام - على الوجوه المذكورة إلى الآيات دون الكتاب نفسه ، لا سيّما إذا أريد ما يشمل كلّ آية آية - من حسن الموقع ، والدّلالة على كونه في أقصى غاياته ، ما لا يخفى . [ ثمّ بحث في ( فصّلت ) وذكر كلام الزّمخشريّ أنّ في ( أحكمت ) ثلاثة أوجه ، ثمّ قال : ]
والظّاهر أنّه أراد أنّها في جميع الاحتمالات كذلك ، وفيه أيضا أنّه إذا أريد بالإحكام أحد الأوّلين وبالتّفصيل أحد الطّرفين فالتّراخي رتبيّ ، لأنّ الإحكام بالمعنى الأوّل راجع إلى اللّفظ والتّفصيل إلى المعنى ، وبالمعنى الثّاني وإن كان معنويّا لكنّ التّفصيل إكمال لما فيه من الإجمال . وإن أريد أحد الأوسطين فالتّراخيّ على الحقيقة ، لأنّ الإحكام بالنّظر إلى كلّ آية في نفسها