وحكى الطّبريّ عن بعض المتأوّلين : أحكمت بالأمر والنّهي ، وفصّلت بالثّواب والعقاب . وعن بعضهم : أحكمت من الباطل ، وفصّلت بالحلال والحرام ، ونحو هذا من التّخصيص الّذي هو صحيح المعنى ، ولكن لا يقتضيه اللّفظ . ( 3 : 148 )
الطّبرسيّ : ذكر فيه وجوه : [ أحدها : قول ابن عبّاس ، وثانيها : قول الحسن وأبي العالية ، وثالثها : قول مجاهد ، ورابعها : قول أبي مسلم وقد تقدّمت كلّها . ]
وخامسها : أتقنت آياته فليس فيها خلل ولا باطل ، لأنّ الفعل المحكم ما قد أتقنه فاعله حتّى لا يكون فيه خلل . ( 3 : 141 )
ابن الجوزيّ : [ نقل أقوال المفسّرين ثمّ قال : ]
فإن قيل : كيف عمّ الآيات هاهنا بالإحكام ، وخصّ بعضها في قوله :
مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ
آل عمران : 7 .
فعنه جوابان :
أحدهما : أنّ الإحكام الّذي عمّ به هاهنا غير الّذي خصّ به هناك ، وفي معنى الإحكام العامّ خمسة أقوال : قد أسلفنا منها أربعة في قوله :
أُحْكِمَتْ آياتُهُ ،
والخامس :
أنّه إعجاز النّظم والبلاغة وتضمين الحكم المعجزة .
ومعنى الإحكام الخاصّ : زوال اللّبس ، واستواء السّامعين في معرفة معنى الآية .
والجواب الثّاني : أنّ الإحكام في الموضعين بمعنى واحد ، والمراد بقوله :
أُحْكِمَتْ آياتُهُ
أحكم بعضها بالبيان الواضح ، ومنع الالتباس ، فأوقع العموم على معنى الخصوص ، كما تقول العرب : قد أكلت طعام زيد ، يعنون بعض طعامه . ويقولون : قتلنا وربّ الكعبة ، يعنون قتل بعضنا ، ذكر ذلك ابن الأنباريّ . ( 4 : 73 )
نحوه الخازن . ( 3 : 177 )
الفخر الرّازيّ : في قوله :
أُحْكِمَتْ آياتُهُ
وجوه :
الأوّل :
أُحْكِمَتْ آياتُهُ
نظمت نظما رصيفا محكما لا يقع فيه نقص ولا خلل ، كالبناء المحكم المرصّف .
الثّاني : أنّ الإحكام عبارة عن منع الفساد من الشّيء ، فقوله :
أُحْكِمَتْ آياتُهُ
أي لم تنسخ بكتاب ، كما نسخت الكتب والشّرائع بها .
واعلم : أنّ على هذا الوجه لا يكون كلّ الكتاب محكما ، لأنّه حصل فيه آيات منسوخة ، إلّا أنّه لمّا كان الغالب كذلك صحّ إطلاق هذا الوصف عليه ، إجراء للحكم الثّابت في الغالب مجرى الحكم الثّابت في الكلّ .
الثّالث : قال صاحب « الكشّاف » ( أحكمت ) يجوز أن يكون نقلا بالهمزة من حكم بضمّ الكاف إذا صار حكيما ، أي جعلت حكيمة ، كقوله :
آياتُ الْكِتابِ الْحَكِيمِ .
الرّابع : جعلت آياته محكمة في أمور :
أحدها : أنّ معاني هذا الكتاب هي التّوحيد ، والعدل ، والنّبوّة والمعاد ، وهذه المعاني لا تقبل النّسخ ، فهي في غاية الإحكام .
وثانيها : أنّ الآيات الواردة فيه غير متناقضة ، والتّناقض ضدّ الإحكام ، فإذا خلت آياته عن التّناقض