المتّقين ، والإجماع دلّ على أنّ الواجبات والتّكاليف عامّة في حقّ المتّقين وغيرهم ، فبهذا الطّريق يدخل الكلّ تحت هذا التّكليف ، فهذا جملة ما يتعلّق بتفسير هذه الآية .
واعلم أنّ النّاس اختلفوا في هذه الوصيّة ، منهم من قال : كانت واجبة ومنهم من قال : كانت ندبا ، واحتجّ الأوّلون بقوله : ( كتب ) وبقوله : ( عليكم ) وكلا اللّفظين ينبئ عن الوجوب ، ثمّ إنّه تعالى أكّد ذلك الإيجاب بقوله :
حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ
[ ثمّ بسط الكلام في نسخ هذه الآية هل هي منسوخة أم لا ؟ ونقل الأقوال مع الدّلائل مبسوطا إن شئت راجع ] ( 5 : 67 )
القرطبيّ : قوله تعالى : ( حقّا ) يعني ثابتا ثبوت نظر وتحصين ، لا ثبوت فرض ووجوب ، بدليل قوله :
عَلَى الْمُتَّقِينَ .
وهذا يدلّ على كونه ندبا ، لأنّه لو كان فرضا لكان على جميع المسلمين ، فلمّا خصّ اللّه من يتّقي ، أي يخاف تقصيرا ، دلّ على أنّه غير لازم إلّا فيما يتوقّع تلفه إن مات ، فيلزمه فرضا المبادرة بكتبه والوصيّة به ، لأنّه إن سكت عنه كان تضييعا له وتقصيرا منه ، وقد تقدّم هذا المعنى .
وانتصب ( حقّا ) على المصدر المؤكّد ، ويجوز في غير القرآن ( حقّ ) بمعنى ذلك حقّ . ( 2 : 267 )
أبو حيّان : انتصب ( حقّا ) على أنّه مصدر مؤكّد لمضمون الجملة ، أي حقّ ذلك حقّا ، قاله ابن عطيّة والزّمخشريّ .
وهذا تأباه القواعد النّحويّة ، لأنّ ظاهر قوله :
عَلَى الْمُتَّقِينَ
إذن يتعلّق ( على ) ب ( حقّا ) ، أو يكون في موضع الصّفة له ، وكلا التّقديرين يخرجه عن التّأكيد .
أمّا تعلّقه به فلأنّ المصدر المؤكّد لا يعمل إنّما يعمل المصدر الّذي ينحلّ بحرف مصدريّ ، والفعل أو المصدر الّذي هو بدل من اللّفظ بالفعل ؛ وذلك مطّرد في الأمر والاستفهام ، على خلاف في هذا الأخير ، على ما تقرّر في علم النّحو .
وأمّا جعله صفة ل ( حقّا ) أي حقّا كائنا على المتّقين ، فذلك يخرجه عن التّأكيد ، لأنّه إذ ذاك يتخصّص بالصّفة .
وجوّز المعربون أن يكون نعتا لمصدر محذوف : إمّا لمصدر من
كُتِبَ عَلَيْكُمْ
أي كتبا حقّا ، وإمّا لمصدر من الوصيّة ، أي إيصاء حقّا .
وأبعد من ذهب إلى أنّه منصوب ب ( المتّقين ) وإنّ التّقدير : على المتّقين حقّا ، كقوله :
أُولئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا
الأنفال : 4 ، لأنّه غير المتبادر إلى الذّهن ، ولتقدّمه على عامله الموصول .
والأولى عندي أن يكون مصدرا من معنى ( كتب ) لأنّ معنى : كتبت الوصيّة ، أي وجبت وحقّت ، فانتصابه على أنّه مصدر على غير الصّدر ، كقولهم : قعدت جلوسا . وظاهر قوله : ( كتب ) ( حقّا ) الوجوب ؛ إذ معنى ذلك الإلزام على المتّقين . ( 2 : 21 )
نحوه الشّربينيّ . ( 1 : 117 )
البروسويّ : أي أحقّ هذه الوصيّة حقّا .
( 1 : 287 )