ويحتمل أن يكون المراد من
جاءَ الْحَقُّ :
ظهر الحقّ ، لأنّ كلّ ما جاء فقد ظهر ، والباطل : خلاف الحقّ ، وقد بيّنّا أنّ الحقّ هو الموجود . ولمّا كان ما جاء به النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم لم يمكن انتفاؤه كالتّوحيد والرّسالة والحشر ، كان حقّا لا ينتفي ، ولمّا كان ما يأتون به من الإشراك والتّكذيب لا يمكن وجوده ، كان باطلا لا يثبت ، وهذا المعنى يفهم من قوله :
وَما يُبْدِئُ الْباطِلُ .
( 25 : 270 )
نحوه ملخّصا الشّربينيّ . ( 3 : 307 )
القرطبيّ : النّحّاس : والتّقدير : جاء صاحب الحقّ ، أي الكتاب الّذي فيه البراهين والحجج .
( 14 : 313 )
البيضاويّ : أي الإسلام . ( 2 : 265 )
الآلوسيّ : أي الإسلام والتّوحيد أو القرآن ، وقيل : السّيف ، لأنّ ظهور الحقّ به ، وهو كما ترى . ( 22 : 156 )
ابن عاشور : وجملة
قُلْ جاءَ الْحَقُّ
تأكيد لجملة
قُلْ إِنَّ رَبِّي يَقْذِفُ بِالْحَقِّ
سبأ : 48 ، فإنّ ( الحقّ ) قد جاء بنزول القرآن ودعوة الإسلام . وعطف
وَما يُبْدِئُ الْباطِلُ وَما يُعِيدُ
على
جاءَ الْحَقُّ
لأنّه إذا جاء الحقّ انقشع الباطل من الموضع الّذي حلّ فيه الحقّ . ( 22 : 99 )
الطّباطبائيّ : المراد بمجيء الحقّ - على ما تهدي إليه الآية السّابقة - : نزول القرآن المبطل بحججه القاطعة وبراهينه السّاطعة لكلّ باطل من أصله . ( 16 : 389 )
مكارم الشّيرازيّ : بالالتفات إلى ما قيل حول حقّانيّة دعوة الرّسول الأكرم صلّى اللّه عليه وآله ، تضيف الآية الّتي بعدها قائلة أنّ القرآن واقع غير قابل للإنكار ، لأنّه ملقى من اللّه سبحانه وتعالى على قلب الرّسول صلّى اللّه عليه وآله :
قُلْ إِنَّ رَبِّي يَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَّامُ الْغُيُوبِ .
[ ثمّ نقل معنى القذف وعلّام الغيوب وقال : ]
وبذا تكون الآية تعبيرا مشابها لما ورد في الآية :
18 ، من سورة الأنبياء
بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْباطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذا هُوَ زاهِقٌ . . .
وبعدئذ ولزيادة التّأكيد يضيف سبحانه وتعالى :
قُلْ جاءَ الْحَقُّ وَما يُبْدِئُ الْباطِلُ وَما يُعِيدُ
وعليه فلن يكون للباطل أيّ دور مقابل الحقّ ، لا خطّة أولى جديدة ولا خطّة معادة ؛ إذ خطط الباطل نقش على الماء ، ولهذا السّبب فلم يتمكّن الباطل من طمس نور الحقّ ، ومحو أثره من القلوب .
مع أنّ بعض المفسّرين أرادوا حصر مصاديق ( الحقّ ) و ( الباطل ) في هذه الآية في حدود معيّنة ، لكنّ الواضح أنّ مفهوم الاثنين واسع وشامل جدّا ، القرآن ، والوحي الإلهيّ ، تعليمات الإسلام ، جميعها مصاديق لمفهوم ( الحقّ ) ، والشّرك والكفر ، والضّلال ، والظّلم والذّنوب ، ووساوس الشّيطان ، والبدع الطّاغوتيّة كلّها تندرج تحت معنى ( الباطل ) . وفي الحقيقة فإنّ هذه الآية شبيهة بالآية : 81 ، من سورة الإسراء ،
وَقُلْ جاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْباطِلُ إِنَّ الْباطِلَ كانَ زَهُوقاً .
يثار هنا سؤال ، وهو أنّ هذه الآية أعلاه تقول : إنّه