[ ثمّ نقل قول أبي سليمان الدّمشقيّ وقول أبي السّعود وقال : ]
وحاصله أنّه محفوظ حال الإنزال وحال النّزول ، وما بعده لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه .
وأبعد من جوّز كون المراد ( بالحقّ ) الثّاني : النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم ، ومعنى نزوله به نزوله عليه وحلوله عنده ، من قولهم :
نزل بفلان ضيف . وعلى سائر الأوجه لا تخفى فائدة ذكر الجملة الثّانية بعد الأولى ، وما يتوهّم من التّكرار مندفع .
ونحا الطّبريّ إلى أنّ الجملة الثّانية توكيد للأولى من حيث المعنى ، لأنّه يقال : أنزلته فنزل ، وأنزلته فلم ينزل ، إذا عرض له مانع من النّزول ، فجاءت الجملة الثّانية مزيلة لهذا الاحتمال .
وتحاشى بعضهم من إطلاق التّوكيد لما بين الإنزال والنّزول من المغايرة ، وادّعى أنّه لو كانت الثّانية توكيدا للأولى ، لما جاز العطف لكمال الاتّصال . ( 15 : 187 )
القاسميّ : أي بالحقيقة أنزلناه كتابا من لدنّا فأين تذهبون ؟ كما قال تعالى :
لكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِما أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلائِكَةُ يَشْهَدُونَ
النّساء : 166 .
وَبِالْحَقِّ نَزَلَ
أي متلبّسا بالحقّ الّذي هو ثبات نظام العالم على أكمل الوجوه ، وهو ما اشتمل عليه من العقائد والأحكام ومحاسن الأخلاق ، وكلّ ما خالف الباطل ، كقوله تعالى :
لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ
فصّلت : 42 . ( 10 : 4009 )
الطّباطبائيّ : لمّا فرغ من التّنظير رجع إلى ما كان عليه من بيان حال القرآن وذكر أوصافه ، فذكر أنّه أنزله إنزالا مصاحبا للحقّ ، وقد نزل هو من عنده نزولا مصاحبا للحقّ ، فهو مصون من الباطل من جهة من أنزله ، فليس من لغو القول وهذره ، ولا داخله شيء يمكن أن يفسده يوما ، ولا شاركه فيه أحد حتّى ينسخه في وقت من الأوقات .
وليس النّبيّ صلّى اللّه عليه وآله إلّا رسولا منه تعالى يبشّر به وينذر ، وليس له أن يتصرّف فيه بزيادة أو نقيصة ، أو يتركه كلّا أو بعضا باقتراح من النّاس ، أو هوى من نفسه ، أو يعرض عنه فيسأل اللّه آية أخرى فيها هواه أو هوى النّاس ، أو يداهنهم فيه أو يسامحهم في شيء من معارفه وأحكامه ، كلّ ذلك لأنّه حقّ صادر عن مصدر حقّ ، وما ذا بعد الحقّ إلّا الضّلال . ( 13 : 220 )
مكارم الشّيرازيّ : عشّاق الحقّ .
مرّة أخرى يشير القرآن العظيم إلى أهمّيّة وعظمة هذا الكتاب السّماويّ ، ويجيب على بعض ذرائع المعارضين ، في البداية تقول الآيات :
وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْناهُ
ثمّ تضيف بلا أدنى فاصلة
وَبِالْحَقِّ نَزَلَ ،
ثمّ تقول :
وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا مُبَشِّراً وَنَذِيراً
إذ ليس لك الحقّ في تغيير محتوى القرآن .
لقد ذكر المفسّرون آراء مختلفة في الفرق بين الجملة الأولى
وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْناهُ
والجملة الثّانية
وَبِالْحَقِّ نَزَلَ
منها :
1 - تقدير الجملة الأولى : إنّنا قدّرنا أن ينزل القرآن الآن بالحقّ . بينما تضيف الجملة الثّانية أنّ هذا الأمر أو التّقدير قد تحقّق ، لذا فإنّ التّعبير الأوّل يشير إلى التّقدير