تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته — صفحة 117

مساهمون:

ص١١٧
على شريعة باقية لا يتطرّق إليها النّسخ والنّقض والتّحريف . وأيضا فهذا الكتاب كتاب تكفّل اللّه بحفظه عن تحريف الزّائغين وتبديل الجاهلين ، كما قال :
إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ
الحجر : 9 ، فكان هذا الكتاب حقّا من كلّ الوجوه . الفائدة الثّانية : أنّ قوله :
وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْناهُ
يفيد الحصر ، ومعناه أنّه ما أنزل لمقصود آخر سوى إظهار الحقّ . وقالت المعتزلة : وهذا يدلّ على أنّه ما قصد بإنزاله إضلال أحد من الخلق ، ولا إغراؤه ولا منعه عن دين اللّه . الفائدة الثّالثة قوله :
وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْناهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ
يدلّ على أنّ الإنزال غير النّزول ، فوجب أن يكون الخلق غير المخلوق ، وأن يكون التّكوين غير المكوّن ، على ما ذهب إليه قوم . الفائدة الرّابعة : قال أبو عليّ الفارسيّ : الباء في قوله :
وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْناهُ
بمعنى « مع » كما تقول : نزل بعدّته وخرج بسلاحه ، والمعنى أنزلنا القرآن مع الحقّ . وقوله :
وَبِالْحَقِّ نَزَلَ
فيه احتمالان : أحدهما : أن يكون التّقدير : نزل بالحقّ ، كما تقول : نزلت بزيد ، وعلى هذا التّقدير : الحقّ محمّد صلّى اللّه عليه وسلّم ، لأنّ القرآن نزل به ، أي عليه . الثّاني : أن تكون بمعنى « مع » كما قلنا في قوله :
وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْناهُ .
( 21 : 68 ) القرطبيّ : هذا متّصل بما سبق من ذكر المعجزات والقرآن ، والكناية ترجع إلى القرآن . ووجه التّكرير في قوله :
وَبِالْحَقِّ نَزَلَ
يجوز أن يكون معنى الأوّل : أوجبنا إنزاله بالحقّ . ومعنى الثّاني : ونزل وفيه الحقّ ، كقوله : خرج بثيابه ، أي وعليه ثيابه . وقيل : الباء في ( وبالحقّ ) الأوّل ، بمعنى « مع » أي مع الحقّ ، كقولك : ركب الأمير بسيفه ، أي مع سيفه .
وَبِالْحَقِّ نَزَلَ
أي بمحمّد صلّى اللّه عليه وسلّم ، أي نزل عليه ، كما تقول : نزلت بزيد . وقيل : يجوز أن يكون المعنى : وبالحقّ قدّرنا أن ينزل ، وكذلك نزل . ( 10 : 339 ) النّيسابوريّ : ولمّا بيّن إعجاز القرآن وأجاب عن شبهات القوم ، أراد أن يعظّم شأن القرآن ويذكر جلالة قدره ، فقال :
وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْناهُ
التّقديم للتّخصيص ، أي ما أردنا بإنزاله إلّا تقرير الحقّ في مركزه ، وتمكين الصّواب في نصابه . [ ونقل قول الزّمخشريّ والفخر الرّازيّ وقال بعد صفحات : ]
وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْناهُ
لأنّ الأرواح المتعلّقة بالعالم السّفليّ احتاجت في الرّجوع إلى عالم العلوّ إلى حبل متين هو القرآن ، كقوله :
وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ
آل عمران : 103 ،
وَبِالْحَقِّ نَزَلَ
التّميّز بين أهل السّعادة والشّقاوة بالاتّباع وعدمه . ( 15 : 91 - 95 ) أبو حيّان : و
بِالْحَقِّ أَنْزَلْناهُ
هو مردود على قوله :
لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ . . .
الإسراء : 88 ، وهكذا طريقة كلام العرب وأسلوبها تأخذ في شيء وتستطرد منه إلى شيء آخر ، ثمّ إلى آخر ، ثمّ تعود إلى ما
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته — صفحة 117 | مجمع البحوث الاسلامية