أعني قوله تعالى :
وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحالِ
الرّعد : 13 ، إن كان سبب النّزول قصّة ( أربد وعامر ) أنّ إهلاكهما من حيث لم يشعرا به محال من اللّه تعالى ، وإجابة لدعوة رسوله صلّى اللّه عليه وسلّم ، فقد روي أنّه عليه الصّلاة والسّلام قال :
« اللّهمّ احبسهما عنّي بما شئت » ، أو دلالة على رسوله صلّى اللّه عليه وسلّم على الحقّ .
وإن لم يكن سبب النّزول ذلك فالوجه أنّ ذلك وعيد للكفرة على مجادلتهم الرّسول صلّى اللّه عليه وسلّم ، بحلول محاله بهم ، وتهديدهم بإجابة دعائه عليه الصّلاة والسّلام أن دعا عليهم ، أو بيان ضلالتهم وفساد رأيهم في عبادة غير اللّه تعالى ، ويعلم ممّا ذكر وجه التّعلّق على بعض التّفاسير إذا قلنا : إنّ سبب النّزول قصّة اليهوديّ أو الحبّار ، فتأمّل . ( 13 : 123 )
القاسميّ : أي الدّعاء الحقّ بالعبادة والتّضرّع والإنابة ، وتوجيه الوجه ثابت له تعالى لا لغيره ، لأنّه الّذي يجيب المضطرّ ويكشف السّوء ، فهو الحقيق بأن يعبد وحده بالدّعاء والالتجاء . فإضافة الدّعوة للحقّ من إضافة الموصوف للصّفة .
وفيها إيذان بملابستها للحقّ ، واختصاصها به ، وكونها بمعزل من شائبة البطلان والضّياع والضّلال ، كما يقال : كلمة الحقّ . ( 9 : 3662 )
الطّباطبائيّ : قوله تعالى :
لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ
الآية . الدّعاء والدّعوة : توجيه نظر المدعوّ إلى الدّاعي ، ويتأتّى غالبا بلفظ أو إشارة ، والاستجابة والإجابة :
إقبال المدعوّ على الدّاعي عن دعائه . وأمّا اشتمال الدّعاء على سؤال الحاجة واشتمال الاستجابة على قضائها ، فذلك غاية متمّمة لمعنى الدّعاء ، والاستجابة غير داخلة في مفهوميهما .
نعم ؛ الدّعاء إنّما يكون دعاء حقيقة إذا كان المدعوّ ذا نظر يمكن أن يوجّه إلى الدّاعي ، وذا جدة وقدرة يمكنه بهما استجابة الدّعاء . وأمّا دعاء من لا يفقه أو يفقه ولا يملك ما ترفع به الحاجة ، فليس بحقّ الدّعاء وإن كان في صورته .
ولمّا كانت الآية الكريمة قرّر فيها التّقابل بين قوله :
لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ
وبين قوله :
وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ
إلخ - الّذي يذكر أنّ دعاء غيره خال عن الاستجابة ، ثمّ يصف دعاء الكافرين بأنّه في ضلال - علمنا بذلك أنّ المراد بقوله :
دَعْوَةُ الْحَقِّ
الدّعوة الحقّة غير الباطلة ، وهي الدّعوة الّتي يسمعها المدعوّ ثمّ يستجيبها ألبتّة ، وهذا من صفاته تعالى وتقدّس ، فإنّه سميع الدّعاء قريب مجيب ، وهو الغنيّ ذو الرّحمة . وقد قال :
أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذا دَعانِ
البقرة : 186 ، وقال :
ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ
المؤمن : 60 ، فأطلق ولم يشترط في الاستجابة ، إلّا أن تتحقّق هناك حقيقة الدّعاء ، وأن يتعلّق ذلك الدّعاء به تعالى ، لا غير .
فلفظة
دَعْوَةُ الْحَقِّ
من إضافة الموصوف إلى الصّفة ، أو من الإضافة الحقيقيّة بعناية أنّ الحقّ والباطل كأنّهما يقتسمان الدّعاء ، فقسم منه للحقّ ، وهو الّذي لا يتخلّف عن الاستجابة ، وقسم منه للباطل ، وهو الّذي